عذرا، فليس لعنوان المقال أى صلة بالذكرى السوداء إياها، وإنما أتحدث عن شىء آخر تماما!
ما أعنيه هو ذلك الوهم الكبير الذى لا يزال يعيش فيه بعض سكان الزمالك ومصر الجديدة، ويجعلهم يقتنعون بأن الزمالك حى راق، ومصر الجديدة حى صفوة، وأن الاقتراب من المنطقتين خط أحمر، وأنه يتعين على الحكومة أن تستأذنهم أولا قبل تنفيذ أى مشروع على أرض هاتين «المحميتين»!
فى الزمالك، اعترضوا على المترو، وقالوا إن الحى فاخر وفخيم، وله قدسيته، ولا يجب شق بطنه، فهناك سفارات وقنصليات وولاد ذوات، ولا يصح لهؤلاء أن يمر المترو أسفل بيوتهم، وتقع أعينهم على محطات وسلالم وركاب .. «ياي»!
وفى مصر الجديدة، اتخذ البعض أيضا موقفا عدائيا من إنشاء كبارى وطرق جديدة يتمناها أى حى آخر، فاعترضوا على كل شيء، قبل أن يبدأ العمل، وقبل أن تكتمل الصورة، وكأن الحى من ممتلكاتهم وضمن أبعدياتهم!
نسي هؤلاء وهؤلاء أنه لم يعد هناك فى الزمالك ومصر الجديدة ما يستحق البكاء عليه.
هل سكان الزمالك مثلا راضون عن الحالة التى وصل إليها حيهم منذ أكثر من أربعين سنة؟
ألا تعرفون أن الأجانب الذين يقيمون فى هذا الحى يعتبرونها «نكتة» عندما يحاول أحد من المصريين إفهامهم أنه أرقى حى فى مصر؟!
ما هو الراقى فى الزمالك، والشوارع ضيقة، والسيارات غير قادرة على السير، والمرور متوقف أغلب ساعات اليوم، والعمارات والفيلات معظمها قديم وبال، والقمامة ومظاهر الفوضى فى كل مكان، والأرصفة محتلة، والمساحات الخضراء منعدمة، تماما مثل باقى أحياء القاهرة؟
اذهب فى أى وقت إلى شارع 26 يوليو، أو إلى محمد مظهر، أو إلى أبو الفدا، أو إلى شارع الجبلاية، أو إلى الساقية، وأتحداك لو استطعت الدخول أو الخروج فى أقل من ساعة زمن، بأى وسيلة انتقال، وأتحداك أيضا إذا تمكنت من العثور على «ركنة» لسيارتك، بل قد تجد صعوبة فى التنفس!
لم يعد باقيا من الصورة القديمة للزمالك سوى بعض الفيلات القديمة، و«كام» كازينو من بتوع زمان، وخواجات وبنات «بيتمشوا» أو «بيفسحوا الكلب» على الأرصفة المتهالكة!
اكتظ الحي، وشاخ، وضاق، واختنق، ولم يعد هناك أمل فيه ولا مستقبل إلا بهدم معظم الأبراج ونقل المدارس والكليات الجامعية إلى خارج الزمالك، أو بتخصيص شوارع كثيرة للمشاة فقط، وكلها حلول مستحيلة، ولكن الحل الأفضل بالتأكيد هو وجود مترو أنفاق قادر على نقل ملايين البشر بطريقة آمنة وميسرة من وإلى الحي، أو عبر الحى إلى مناطق القاهرة الأخري، دون استخدام السيارات.
وفى مصر الجديدة أيضا، الحال من بعضه.
حفلات «الولولة» واللطم تفوق الخيال، رغم أن ما يجرى فى مصر الجديدة من حجم مشروعات وسرعة إنجاز هو الخيال بعينه، بل يستحق أن يطلق عليه معجزة حقيقية.
ماذا بقى فى مصر الجديدة «الأصلية» حتى يتعامل سكان الحى مع الأوناش والرافعات وعمال حفر المترو والكبارى على أنها قوات احتلال جاءت لتكدر عليهم معيشتهم؟
هل تعجبكم فوضى روكسى والكوربة؟ أم زحام صلاح الدين وأبو بكر الصديق؟ أم اختناقات الحجاز والمحكمة وتريومف؟ أم يا هلترى تشتاقون للمترو القديم المسكين الذى كان يسير فى شوارع المنطقة بائسا خاليا من الركاب وكأنه «نعش»؟
هل كان ينبغى علينا الاحتفاظ بمسارات وقضبان المترو فى الشوارع الضيقة وكأنها تذكار مثلا؟
وما هى الأشجار التى تذرفون الدمع عليها؟ لماذا لا تزرعونها أمام بيوتكم؟ بل، ولماذا لا تحافظون على نظافة شوارعكم وأبنيتكم؟ وأين كنتم عندما حدث ما حدث لحديقة الميريلاند؟ وما هو التجديد الذى لم يعجبكم فى قصر البارون، الذى كان لعقود طويلة مسكنا للعفاريت؟! أي أصالة تتحدثون عنها مع زيادة البشر والسيارات بهذه الصورة الجنونية؟ وهل سيرحم أحد منكم الدولة عندما تنتهى من إنشاء العاصمة الإدارية ووسائل مواصلاتها، وتترك مصر الجديدة مزدحمة ومخنوقة وعشوائية دون تطوير أو توسعة؟ ألن تتهموا الدولة وقتها بأنها لم تخطط للمستقبل؟ ألم تتهموا الدولة من قبل بتركيز اهتمامها على العاصمة الجديدة وترك القاهرة تئن؟
يا أهل الزمالك ومصر الجديدة، قد يكون لهذه «المنظرة» و«العنجهة» ما يبررها تاريخيا، ولكن الزمن غير الزمن، والشىء إن زاد عن حده، انقلب إلى ضده، فاصبروا قليلا، ولا تنساقوا وراء النظرة الضيقة والأحكام المتسرعة، فالغد أفضل لكم ولنا.
على أى حال، فإن ما يطمئن أن ثورة الزمالك ومصر الجديدة المفتعلة هذه، لا تختلف كثيرا عما واجهته الدولة عندما بدأت فى تطوير التعليم والصحة والسكك الحديدية، وإذا كان لكل تطوير سلبياته، فله أيضا معطلون، وأعداء.
لمزيد من مقالات هانى عسل رابط دائم: