«الاستسهال» .. و«الكتابة بغير علم» .. وجهان لعملة واحدة، ويؤديان إلى النتيجة نفسها، وهى خبر مغلوط، أو معلومة غير صحيحة، والمتلقى هو الضحية دائما.
أما إذا أضيفت إليهما «سوء النية»، وأمور أخرى مثل «اختيار التوقيت»، فهذا أمر آخر!
ينطبق ذلك على قيام عدد كبير من وسائل الإعلام العالمية أخيرا بنشر خبر غريب حول قطع الكنيسة الروسية علاقاتها مع البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ردا على اعترافه بانفصال الكنيسة الأوكرانية عن السلطة الدينية لموسكو، وهو ما تبين لاحقا عدم صحته، حيث اتضح أن المقصود بقرار قطع علاقات الكنيسة الروسية هو بابا الروم الأورثوذوكس.
ويبدو أن بعض ضعاف النفوس، أو قليلى الخبرة، فى الإعلام الأجنبي، أو ربما من يحملون أجندات معادية لمصر، وجدوا أن هذا الموضوع قابل للاستخدام بهدف التشويش على وجه آخر مضيء للشخصية والحضارة المصرية، وهو الكنيسة القبطية، التى تعد أقدم كنائس العالم، عبر بث أخبار كاذبة عن تورطها فى صراع سياسى دينى يسيء لصورتها وعلاقاتها التاريخية مع الكنيسة الروسية.
وعلى الرغم من ثبوت عدم صحة هذا الخبر، فإن الإعلام الأجنبى المغرض لم يعتذر عن نشره، ولم يكلف نفسه عناء نشر التوضيح الصادر حوله من قبل الكنيسة القبطية، وهو ما يؤكد سوء النية وراء نشر خبر الخلاف المزعوم، خاصة وأن أبواق قطر سعت أيضا لاستغلاله فى الإساءة للكنيسة المصرية، والتى لا ينسى «الإخوان» عملاء الدوحة دورها الوطنى والبطولى فى الوقوف مع باقى أبناء الشعب المصرى فى إسقاطهم وتخليص الوطن من آثامهم وبراثنهم.
وكان المثال المذكور أكثر وضوحا من خلال ما بثته وكالة »أسوشييتدبرس« للأنباء بتاريخ 27 ديسمبر 2019 بعنوان »الكنيسة الأورثوذوكسية الروسية تقطع الروابط مع بطريرك الإسكندرية«، حول قيام الكنيسة الأورثوذوكسية الروسية للروابط مع رئيس البطريركية الأورثوذوكسية الشرقية فى الإسكندرية عقب قراره الاعتراف بالكنيسة الأورثوذوكسية المستقلة الجديدة فى أوكرانيا.
حيث أشارت الوكالة إلى أن المجمع المقدس التابع للكنيسة الروسية أصدر قرارا بقطع جميع العلاقات مع البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وكل إفريقيا، ومع ذلك قالت أيضا إنها سوف تظل فى تواصل مع رجال الدين فى كنيسته الذين لم يؤيدوا القرار.
ولم تكن الوكالة الأمريكية هى الوحيدة التى نشرت هذا الخبر، بل بثته أيضا وسائل إعلام عالمية كثيرة أخري، من بينها شبكة »فرانس 24« الفرنسية، وراديو »مونت كارلو«، وشبكة »دويتش فيلا« الألمانية، وقناة »الحرة«، وغيرها، إلا أن أيا منهم لم يهتم بنشر بيان الكنيسة القبطية الأورثوذوكسية الصادر لاحقا، والذى نفى بوضوح صحة ما سبق، حيث قالت إن ما تم تداوله فى هذا الشأن يخص البطريرك ثيؤدوروس الثانى بطريرك الإسكندرية للروم الأورثوذوكس، وليس البابا تواضروس الثاني، كما أكدت الكنيسة أن العلاقة بينها وبين الكنيسة الروسية الأورثوذوكسية وبين البابا تواضروس الثانى والبطريرك كيريل علاقة ممتازة، وأن هذه العلاقات لها حاليا عدة أوجه للتعاون المشترك بين الكنيستين، على صعيد المؤسسات التعليمية اللاهوتية وتبادل الخبرات الرهبانية والرعوية والإعلامية، وأيضا فى مجالى خدمة المجتمع المحلي، فى كل من البلدين والخدمة فى أراضى الهجرة.
فأيهما نصدق إذن؟
هل ما بثته وسائل الإعلام الأجنبية؟
أم البيان الرسمى الصادر عن الكنيسة صاحبة الشأن، وبطلة هذه الرواية؟
وحتى إذا افترضنا حسن النيات، لماذا لم يتم نشر بيان الكنيسة فى هذه الوسائل الإعلامية نفسها؟
ألم يكن الأمر فى حاجة، على الأقل، إلى توضيح، لمنع التباس الأمور؟.
رابط دائم: