رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى أروقة اليونيسكو ... اللغة العربية بوابة للمعرفة

هل يمكن أن تكون اللغة العربية بوابة للمعرفة؟ وأيهما يأتى أولاً.. اللغة أم المعرفة؟ وأيهما يأخذ الآخر إلى بوابة الحضارة؟ هذه الأسئلة وغيرها هى التى أجاب عنها التقرير الذى أطلق من مقر اليونيسكو بباريس فى اليوم العالمى للغة العربية (الثامن عشر من شهر ديسمبر الحالي). لقد شرفت بالعمل فى هذا التقرير باحثاً رئيسيا، بتكليف من المكتب الإقليمى لليونيسكو بالقاهرة، وذلك بعد أن أشرفت على دراسة فرعية عن اللغة العربية ومجتمع المعرفة فى مصر، والتى أجريت بالتوازى مع دراستين نفذهما زملاء من المغرب والمملكة العربية السعودية. وبناء على هذه الدراسات الثلاث، بجانب بيانات أخرى حول باقى الدول العربية، تم إجراء التقرير العربى الذى نحن بصدد الحديث عنه فى هذا المقال. لقد قدم التقرير بيانات عن حالة اللغة العربية والتحديات التى تواجهها فى الوطن العربى، وقدم تحليلاً لعمليات توطين المعرفة عبر الترجمة والنشر، وعمليات استخدام المعرفة عبر اللغة فى مجالات الإدارة والتجارة والصناعة, ثم عرج على درس القنوات التى تتشكل فيها المعرفة، والتى تلعب اللغة العربية فيها دور الوسيط، مثل التعليم والبحث العلمى وإقامة المعلومات والاتصالات، والمحتوى الرقمى العربى.

ولقد أكد التقرير الدور الحضارى للغة العربية وإسهامها التاريخى فى بلورة الهوية العربية، لقد استوعبت اللغة العربية التراث اليونانى القديم، واستطاعت من خلال الدور الذى لعبه القرآن الكريم أن تصبح لغة للعبادة فى سائر أنحاء العالم الإسلامى، كما نجح العرب المحدثون فى أن يجعلوها لغة رسمية فى الأمم المتحدة. وتحمل اللغة العربية مكانة مهمة بين اللغات العالمية، حيث يتحدث بها أكثر من 422 مليونا فضلاً عن أعداد كبيرة تتخذ منها وسيلة للعبادة فى أرجاء متفرقة من العالم، ولكن حالها بين أهلها مهدد ويكتنفها الكثير من المشكلات والتحديات.

إن الأمم تتنافس فى عصرنا الراهن نحو تحقيق مجتمع المعرفة، ذلك المجتمع الذى تتحول فيه المعرفة _ توظيفا وإنتاجا واستخداما - إلى محك للتنافس، والمحرك الرئيسى لتكوين ثروة الأمة. وإذ ترقى المجتمعات صوب مجتمع المعرفة فإنها ترقى بلغتها، وتحافظ عليها وتجعل لها مكانة بين لغات العالم. ثمة علاقة إذن شبه طردية بين الارتقاء نحو مجتمع المعرفة وبين ارتقاء اللغة. ومن هذا المنطلق يمكن فهم المشكلات التى تكتنف مجتمع المعرفة من ناحية واللغة العربية من ناحية أخرى. فالدول العربية لم تحقق إنجازات ضخمة فيما يتصل بمؤشرات مجتمع المعرفة كما تعكسها التقارير العالمية، فهى لاتزال تقف فى منطقة وسطى، بشكل يشبه إلى حد كبير حداثة المنتصف التى تعيشها معظم الدول العربية؛ فهى تطمح إلى أن تصل إلى تحقيق مستويات عليا من التقدم والرقى، ولكنها لاتزال تراوح التقاليد وتستولد روائح الماضى.

وتنعكس هذه الحالة على اللغة العربية، فكل الدساتير العربية تدافع عن اللغة وتعتبرها لغة رسمية للوطن، ولغة للتعلم، ولغة التقاضى، وفض النزاعات أحياناً. كما أن الخطاب الثقافى العام، وكذا الخطاب الأكاديمى يدافع عن اللغة العربية وعلى علاقتها بالهوية العربية، وعلى أهمية أن تحتل المكانة اللائقة بها فى كل مجالات الحياة. ولكن هذا الاهتمام المبالغ فيه باللغة العربية يناظره ثقافة متناهية الحضور فى كل أرجاء الوطن العربى للدفع باللغة العربية إلى الهامش وتقليص دورها فى الحياة. تميل هذه الثقافة إلى تحبيذ اللغات الأخرى على اللغة العربية، وإلى التباهى بتعلم اللغات الأجنبية، وإلى دفع الأولاد والبنات إلى نظم التعليم الغربية. وتتأكد هذه الثقافة داخل المؤسسات التعليمية ذاتها، تلك المؤسسات التى تتوسع فى نظم التعليم الموازية باللغات الأخرى، والتى لا تولى أهمية كبيرة لتعليم اللغة العربية بأساليب جديدة ومبتكرة، والتى يتم فيها تهميش مدرس اللغة العربية، والتقليل من شأن العلوم التى تكتب باللغة العربية وتدرس مناهجها بها كالعلوم الاجتماعية والإنسانية. تنزاح هذه العلوم إلى منطقة الهامش، كما تزاح اللغة العربية إلى منطقة الهامش.

ويضع هذا حدودا على قدرات اللغة العربية فى توطين المعرفة وإنتاجها. فرغم التقدم الكبير الذى قطعته الدول العربية فى مضمار النشر والترجمة، وفى تحفيز كليهما من خلال الجوائز العلمية والمؤتمرات، إلا أن المعدلات الخاصة بالترجمة والنشر باللغة العربية لا تزال دون المستوى العالمى. ورغم أن النشر باللغة العربية يتزايد فى المجلات العلمية، إلا أن جله يوجد فى نطاق العلوم الاجتماعية والإنسانية، وأن الازدواجية التى تعانى منها نظم التعليم فى العالم العربى تنعكس على البحث العلمى (الذى يعانى هو نفسه من ضعف شديد بسبب نقص التمويل وعدم ارتباطه بشكل وثيق بعالم الإنتاج) الذى يتجه نحو تشجيع النشر باللغات الاجنبية، خاصة فى نطاق العلوم الطبيعية والتطبيقية. وهنا نجد أن اللغة العربية تعجز عن أن تكون أداة لجهود بحثية ابتكارية، حيث يمثل لابتكار أضعف الحلقات فى التكوين المعرفى العربى، وفى حال وجوده فإنه لا يصب فى تطوير تقنى أو تطبيقى، وتكون الفائدة النهائية منه قائمة فى مظان بعيدة عن الوجود العربى.

ورغم أن الوطن العربى قد أحرز تقدما كبيرا فى مجال استخدام معطيات مجتمع المعرفة فيما يتصل بالدخول إلى عالم الإنترنت، وعالم الاتصال الجماهيرى الفضائى، وتكوين المحتوى الرقمى العربى، إلا أن التطورات فى هذا الصدد تفرض مشكلات كبيرة على اللغة العربية، يمكن الإشارة إلى اثنتين منها: الأولى الإسراف الشديد من جانب الشباب فى استخدام لغة الفرانكوآراب التى تشوه الكتابة العربية، والثانية تتصل بالإسراف فى استخدام أساليب لغوية ضعيفة وهابطة فى الإعلام والإعلان، فضلاً عما تبثه الدراما التليفزيونية من سخرية على اللغة وأصحابها.

لقد لفت هذا التقرير الانتباه إلى موضوعات مهمة تخص اللغة العربية وتحدياتها فى عمليات التحول نحو مجتمع المعرفة. ولكن تبقى فى النهاية حقيقة لعلنا نستشعرها عبر قراءة سطور التقرير وبياناته، وهى أنه لا سبيل إلى لغة حية متطورة ومرنة إلا مع التقدم الحضارى، وأن اللغة فى حد ذاتها لا تصنع الحضارة، وإنما الحضارة هى التى تصنع اللغة وهى التى تحافظ عليها.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: