توصف الدول بأنها متقدّمة أو متخلّفة، ويكاد الوصف يلحق المجتمعات أيضاً باعتبار الدولة هى التجسيد القانونى والسياسى للمجتمع. فمتى توصف الدول والمجتمعات بأنها متقدّمة؟ أقرّر ابتداء أن للتقدم مظاهره، ومعاييره، وقيمه، وقد كتبت عن قيم التقدم فى مقالة السبت الماضى لأكتب اليوم عن مظاهر التقدم ثم معاييره. هل يكمن التقدم فى القوة الاقتصادية؟ أم فى تطوّر العلوم والتكنولوجيا؟ أم فى التطور السياسى والديمقراطي؟ أم فى القوة العسكرية؟ أم فى رقى الثقافة والآداب والفنون؟ التساؤلات السابقة تعكس مظاهر التقدم وأشكاله. والغالب أنها تتوافر معاً فى دول أوروبا الغربية وأمريكا واليابان. ثم لحقتها بعض دول شرق آسيا، أما الصين فهى حالة فريدة سأعود إليها توّاً. وفى غير هذه الدول تتفاوت الشعوب فى مظاهر ودرجة تقدمها. وفى دول أخرى يطاردها وصف التخلّف. وحينما شاع مصطلح العالم الثالث كان المعنى المضمر فيه أنه يعنى الدول الفقيرة غير الديمقراطية التى لم تلتحق بركب التقدم الصناعى والتكنولوجى. كان المصطلح الذى لا نعرف بيقين من الذى أطلقه لأول مرة تعبيراً محايداً ومهذّباً للقول بأن هناك دولاً أخرى بخلاف دول الديمقراطية الليبرالية (العالم الأول) ودول ما كان يُعرف بالكتلة الاشتراكية مثل الاتحاد السوفيتى وشرق أوروبا (العالم الثاني). أما دول إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا فكانت تمثل العالم الثالث. بالعودة إلى الصين فقد اختارت لنفسها نموذجاً شديد الخصوصية يمنح الأولوية للاقتصاد والإنتاج والتصنيع والتكنولوجيا والقوة العسكرية وليس للتطورالديمقراطى والحقوقى. والصين بذلك تمثل النموذج العالمى الوحيد منذ الحرب العالمية الثانية الذى نجح فى الالتحاق بركب التقدم من خارج الوصفة الغربية التقليدية للديمقراطية الليبرالية. ربما لا يعنى الإنجاز الصينى فى هذه المجالات شيئاً كبيراً لدى البعض ممن يعتبرون أن التطور الديمقراطى والحقوقى هو الأمر الأكثر أهمية لتقييم نجاعة أى تطور آخر اقتصادى أوتكنولوجى، لكن يرد الصينيون على ذلك بصمت بليغ بأن حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية هى جزء أساسى وأصيل فى منظومة حقوق الإنسان، يُضاف إلى ذلك أن حقوق المجتمعات فى الأمن والاستقرار والازدهار وحقها السيادى فى استغلال مواردها الطبيعية هى من صلب حقوق الإنسان الفرد، وهى تمثل جيلاً تالياً من أجيال حقوق الإنسان التى نصت عليها المواثيق الدولية، وفى التأصيل النظرى تعتبر من حقوق المجتمعات والأوطان.
ينطوى مفهوم التقدم إذن على إشكالية مبعثها الموقف من قضية التطور الديمقراطى والحقوقى. هنا تتوالد الأسئلة. هل يمكن اعتبار التطور الديمقراطى والحقوقى سبباً أو محركاً لتحقيق التقدم فى مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والثقافة والفنون والآداب؟ أم هو نتيجة طبيعية وحتمية (لكن آجلة) للتطور الذى يتحقّق فى هذه المجالات؟ أم أن الاثنين معاً متعاصران ومتلازمان؟ التجربة التاريخية فى أوروبا وأمريكا تؤكد التعاصر والتلازم، فقد مضت كل هذه الأشكال للتطور الاقتصادى والاجتماعى والسياسى والديمقراطى والثقافى معاً وبشكل يكاد يكون متوازياً. وفى التأصيل النظرى فإن التطور الديمقراطى يبدو لازماً لأى تطور آخر لأن ما يكفله من حقوق وحريات جدير باكتشاف وتحفيز إبداع الفرد وتوظيف مواهبه وقدراته. لكن مرةً أخرى يطل علينا النموذج الصينى ليربك مثل هذا التأصيل الفكرى. أختار كلماتى بعناية فأقول إن النموذج الصينى يربك (ولا ينفي) التأصيل الذى يرى بتلازم المسارين الاقتصادى والديمقراطى. فحين يرتفع متوسط دخل الفرد الصينى ليقفز أكثر من عشرة أضعاف ما كان عليه منذ عقود قليلة فلا بد أن يُحسب ذلك إيجابياً لصالح حقوق الانسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مثل تخفيض البطالة، ومكافحة الفقر، وارتفاع مستويات المعيشة، وزيادة معدلات التعليم وجودته. ولهذا يظل مثيراً للشغف والفضول التساؤل حول مستقبل النموذج الصينى وموقفه من مسألة الإصلاح الديمقراطى والحقوقى، لربما تمكنت الصين من تقديم برهان تاريخى على نجاعة الحكم الرشيد ودولة القانون والعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد والطموح الوطنى بديلاً أو مكافئاً موضوعياً ولو مؤقتاً لنموذج الديمقراطية الليبرالية. والحقيقة أن سؤال مظاهر التقدم وأشكاله لا يكتمل بدون سؤال مواز وقريب حول معايير التقدم. سؤال يهمنا بوجه خاص فى العالم العربى. هل يكمن معيار التقدم فى الأدوات أم الغايات؟ فى الإمكانات أم القيم؟ فى الثروة أم المعرفة؟ فى القوة أم الأخلاق؟ للوهلة الأولى تقود الإجابة البسيطة إلى الاعتقاد بأن كل ما سبق ذكره يصلح كمعايير للتقدم. لكن الإجابة المتعمّقة تكشف عن مفارقات وتناقضات. فالثروة وحدها بما تتيحه من قدرات استهلاكية لشراء وامتلاك أكثر وسائل العصر حداثةً ورفاهيةً لا تعنى بالضرورة أننا مجتمع متقدم. أما القوة وحدها وبالتحديد القوة العسكرية فلا تصلح أيضاً وحدها معياراً للتحضّر بدون أن تقترن بحد أدنى من القيم والأخلاق. والأخلاق وحدها بدون علم ومعرفة وقوة لا تضمن مجتمعاً متقدما مهما كشفت عن مجتمع طيب لأن الأقوياء الأكفاء لا الطيبين الدراويش هم صانعو التقدم والحضارة.
الأمثلة حاضرة على ما فى مسألة معايير التقدم من مفارقات وتناقضات، فكوريا الشمالية وإسرائيل دولتان قويتان من المنظور العسكرى لكن توجد فى الأولى دولة تكاد تعيش خارج حركة التاريخ والتقدم المعاصر، وفى الثانية دولة أو بالأحرى سلطة احتلال تمارس بشكل منهجى كل أشكال الاضطهاد والظلم والفصل العنصرى. فالقوة هنا لا تعنى بالضرورة التقدم أو التحضر. وفى بلاد العرب توجد ثروات ومظاهر للعمران وربما أنساق أخلاقية لكنها تفتقر إلى القوة والقدرة الذاتية على إنتاج المعرفة وامتلاك أدوات التقدم. فى أمريكا نموذج لدولة عظمى جمعت كل أشكال التقدم لكن حروبها وغزواتها الخارجية خلّفت أعداداَ كبيرة من الضحايا اضطرتها إلى الانسحاب من نظام المحكمة الجنائية الدوليةخشية الملاحقة القضائية. أما مصر فهى تمتلك سجلاً تاريخياً عظيماً من الحضارة الإنسانية لا مثيل له فى دولة أخرى لكن إرث التقدم القديم لا يمنح حقاً مكتسباً فى حركة التقدم المعاصر.
خلاصة القول إن مصطلح التقدم يقود إلى اكتشاف مفاهيم أخرى مجاورة حافلة بالمفارقات، وهى التحضر، والتقدم، والقوة، والرفاهية. التحضّر هو أعلى وأسمى هذه المفاهيم، وهو حاصل جمع تقدم الأدوات والوسائل والقيم والأخلاق. والتقدم هو خلاصة التطور فى مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا. أما القوة فهى حاصل التقدم غير المقترن بالضرورة بالتحضر وهى فى مجال العلاقات الدولية تبدو أقرب إلى البلطجة. والرفاهية أخيراً قد تكون نتاج تقدم حقيقى حين تعتمد على جهد وإبداع الإنسان، أو نتيجة تقدم صورى حين تجود بها ثروات الطبيعة بغير دخل لإرادة الإنسان.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم رابط دائم: