فى فترة الانتخابات يكثر الشد والجذب، وتتصارع البرامج الانتخابية، ويتنافس المرشحون، ويقل تبعا لذلك الحديث فى الفكر، والثقافة، والاستراتيجية، والفلسفة. أحد الأسباب وراء ذلك الطبيعة البرجماتية للسياسة، لدى المرشح والناخب على السواء، حيث يغلب حديث المصالح، ويتراجع حديث الفكر. الانتخابات البريطانية ليست استثناء، ولكن الاستثناء هو روان ويليامزز، رئيس أساقفة كانتربرى السابق، وأستاذ اللاهوت فى جامعة كامبريدج، والكاتب صاحب الآراء فى الشأن العام. فى خضم معركة الانتخابات، دعا إلى التفكير خارج الاجندات الضيقة المباشرة، وطالب بالمسئولية ليس فقط تجاه قضايا السياسة الداخلية فى بريطانيا، والتى تمحورت حول مسألة الخروج من الاتحاد الأوروبى، ولكن أيضا تجاه الشأن الدولى، الذى لم تعد أى دولة تستطيع أن تعيش فيه بمعزل عن الأخرى.
عشية الانتخابات البريطانية الأخيرة طالب روان ويليامز بالابتعاد عما سماه فوضى الانتخابات، لافتا إلى أن العالم ينتحب من أجل الاستقرار والكرامة. وذكر صراحة فى مقال له أنه لا يوجد شيء خطأ مع إطلاق الوعود الانتخابية، ولكن الخطأ أن نفشل فى وضع هذه الوعود فى سياق أوسع لعالم يسعى جاهدا نحو الاستقرار والمساواة. وأضاف أن فوضى النظام المالى العالمى أدت إلى الفشل فى توفير الاحتياجات الأساسية للمجتمعات الفقيرة- الغذاء والأمن والحرية من الحروب الأهلية، فضلا عن تقديم بدائل سياسات لتلك التى أدت إلى تدهور البيئة.
حديث روان ويليامز يمثل استثناء فى فترة الانتخابات، لكنه مهم فى التفكير خارج نطاق الماكينة السياسية التى لا تتوقف، ولاسيما فى بريطانيا، فقد تحولت السياسة فى رأيه إلى تحسين صورة الحزب، وإدارة الصراع بين الأحزاب المتنافسة، فى حين أن المعنى الحقيقى لها هى إدارة المجتمع بشكل مستدام يلبى احتياجات الناس، ويدير التنافس بين القوى السياسية دون عنف، بعيدا عن المصالح الشخصية، وتجعله فى خدمة الصالح العام.
يلفت هذا الحديث الانتباه إلى قضية أساسية هى اضمحلال الفلسفة السياسية، ليس فقط فى مجتمعاتنا العربية، والتى انزوت فيها الفلسفة بالفعل، ولكن أيضا فى قلب المجتمعات التى لها تجربة سياسية تاريخية فذة مثل بريطانيا. الاستسلام للسياسة دون فكر له عواقب وخيمة، يحذر منها روان ويليامز، ويدعو إلى التفكير خارج صندوق الوعود الانتخابية، التى لا تتحقق، ويراهن الساسة على ذاكرة الناس التى يداهمها النسيان.
كيف ندير الحياة السياسية بلا فكر؟ معضلة. عندما نشأت «حركة» كفاية فى مطلع سنوات الألفية الجديدة تحت شعار لا للتمديد.. لا للتوريث، وهو شعار براق فى تلك الفترة، تساءل كثيرون عن البناء الفكرى لهذه الحركة التى ضمت أعضاء من مختلف ألوان الطيف السياسى، لم توجد إجابة سوى شعارات عامة، وفى غضون سنوات تراجعت هذه الحركة، وتلاشت، خاصة بعد 25 يناير 2011م، والتى ظهرت فيها قوى سياسية، وائتلافات شبابية لا حصر لها، وتجمعات تظهر ثم تتوارى، وعندما تسأل عن الفكر لا تجده، بل تجد انشغالا كاملا بالصراع السياسى بين القوى السياسية، والذى لم يخرج عن اللافتة التقليدية فى الحياة السياسية على مدار عقود وهى الصراع العلمانى الإسلامى، رغم أنه لم تكن هناك قوى علمانية حقيقية، ولم تظهر سوى قوى إسلامية فى الشكل تزايد على الآخرين باسم الدين، وتستخدم معاناة الناس فى تحقيق مكاسب انتخابية ضيقة، فى حين أن مضمون مواقفها، وسياساتها، وآرائها لم يختلف عما هو مطروح فى الساحة السياسية، وكثير مما قدمته سار على نهج سياسات الحزب الوطنى فى مرحلة سابقة. وهكذا تظل أحد أسباب ضعف الحركة الحزبية، واغتراب قطاعات من المواطنين عنها هو اقتصارها على الأشخاص، والدعاية، وعلاقات المصالح، دون الفكر الذى يعنى تنوع مسارات العمل، ورفع مستوى وعى المواطن.
نعود إلى حديث روان ويليامز الشجى الذى اختتمه فى مقال له بعنوان: ماذا نريد- سياسيين حقيقيين، بالدعوة إلى سياسات حقيقية، الظاهر أن هذا الأكاديمى اللاهوتى الفذ يستعين فى مقاله عن الشأن العام بمصطلحات من خبرته، ودراساته اللاهوتية، ومنها مصطلح الحقيقى، والذى يستخدم للتمييز بين الأصلى، وبين الأشياء الأخرى المقلدة أو المفتعلة أو المدعية. فى عالم تكثر فيه الأوثان الثقافية والاستهلاكية التى يعطيها الانسان التوقير، ويلهث وراءها، يستخدم اللاهوتيون مصطلح الإله الحقيقى، والآن يستخدم روان ويليامز مصطلح «الساسة الحقيقيين» و«السياسة الحقيقية»، تمييزا عن الساسة المقلدين، والسياسات المقلدة، وفى ذلك دعوة إلى العودة إلى جذور مفهوم السياسة فى إطار ولعه بالبحث فى جذور المفاهيم، فالساسة الحقيقيون هم الذين يطلقون وعودا تنفذ فى سياق المسئولية تجاه الوطن والعالم، والسياسات الحقيقية هى التى تخرج من أفق صراعات الانتخابات، وتبحث عن الصالح العام، والخير العام للمواطنين.
جيد الانشغال بالفكر فى لحظات يغلب على العقل الرغبة فى الفوز، وهزيمة الآخرين.
لمزيد من مقالات سامح فوزى رابط دائم: