كتبت فى مقالات ثلاث سابقة عن نموذج سنغافورة. لا أخفى إعجابى بالنموذج الآسيوى واقتناعى بأن علينا التأمل شرقاً فى نماذج دول مثل الصين وكوريا وسنغافورة وماليزيا، ويبدو أننا سنضيف عما قريب حالتى فيتنام وإندونيسيا. أما الهند فهى ماضية أيضاً فى طريقها بخطى ثابتة لتصبح بدورها قريباً إحدى القوى العالمية الكبرى. حسناً، يرى البعض أن لكل دولة ظروفها وسياق انطلاقها وتقدمها بما يُفهم منه أن علينا ألا نبالغ فى حالة سنغافورة أو غيرها من دول شرق آسيا، وألا نعتقد فى صواب اقتفاء أثر دولة ناجحة سواء كانت اليابان أو كوريا أو غيرها، لأنه لا توجد دولتان متشابهتان فى كل شيء. هذا تفكير ربما يقع فى الخطأ نفسه الذى يأخذه على الآخرين. فهناك أمثلة للقياس وأخرى للتوضيح. فحين نعتقد مثلاً أننا نحتاج إلى تأمل التجارب الناجحة للتقدم فى هذه الدولة أو تلك فليس معنى هذا أنه يتعين بالضرورة اقتباس هذه التجربة أو استنساخها بطريق القياس، لأن الدول بالفعل تختلف ظروفها، لكن تأمل نماذج التقدم هو للتوضيح ومحاولة استخلاص ما فيها من دروس.
ليست المسألة إذن هى سنغافورة فى حد ذاتها أو ماليزيا أو كوريا فهذه دول تختلف فى ظروفها عن دول أخرى من أكثر من منظور، لكن ما لا يختلف فى معظم إن لم يكن كل نماذج التقدم فى شرق آسيا هو قيم التقدم ومنهجه. هذا المعنى قريب من معنى مشابه حين نقول إن العلم لا يعرف أوطاناً أو حدوداً. كذلك قيم التقدم ومنهجه. نحن نحتاج بالفعل إلى قيم التقدم التى تتجاوز الظروف والاختلافات والخصوصيات بين الدول. فلا أظن أن أحداً ينكر أن التفكير العلمى، والعمل الجاد، والصدق، والانضباط، والجماعية، واحترام الوقت، والشعور بالمصلحة العامة هى قيم تسلّح بها الآخرون بقدر ما نفتقد إليها نحن. ولا ينكر أحد أيضاً أننا كعرب نعانى ظواهر التفكير الغيبى حتى فى أدق شئون حياتنا المعيشية، وافتقاد احترام الوقت، والفهلوة، وازدواجية القول والفعل، والنزعة الفردية، وضعف الشعور بالمصلحة العامة.
ما يثير التأمل ويبعث على الاعجاب فى قوى التقدم الجديدة فى شرق آسيا ليس فقط نجاحهم الاقتصادى وتقدمهم التكنولوجى وتطوّر نظم التعليم لديهم، فهذه أمور تختلف (وسائل) الدول فى تحقيقها، ولهذا يردّد الصينيون عبارتهم القائلة إنه ليس المهم لون القط ما دام قادراً على اصطياد الفئران. ما يثير التأمل والإعجاب بحق فيما يمكن تسميته بالنموذج الآسيوى هو (قيم) التقدم التى استطاع الآسيويون خلال عدة عقود فقط أن يجعلوا منها سلوكيات يومية، وثقافة للمجتمع، بل إطاراً للمساءلة حال الخروج عليها أحياناً.
ويبدو أن جزءاً من مشكلتنا هو أن دول العالم المتقدمة حولنا أصبحت تصيبنا بحالة ارتباك فكرى وسياسى ونحن نرى بعض هذه الدول التى كانت بمحاذاتنا وربما خلفنا حتى عدة عقود مضت قد تجاوزتنا اليوم. جزء من هذا الارتباك ناشئ عن الديمقراطية التى اعتقدنا طويلاً أنها باب الخلاص الحضارى الكفيل بانعتاقنا من واقع التدهور العربى الذى نعيشه. ثم ها نحن نكتشف أن هناك وصفة آسيوية أخرى للتقدم من خارج منظومة الحضارة الغربية. بالطبع تتثاقف الشعوب وتتواصل المجتمعات فى ظل العولمة، وتظل دول شرق آسيا مدينة بالكثير إلى أمريكا وأوروبا فى بداية نهوضها بنقل وتوطين التكنولوجيا من خلال الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات، لكن ثمة ما يجعل النموذج الآسيوى مختلفاً. المثال الصينى تحديداً يربكنا ويُحرجنا (ويجرحنا) فى معتقداتنا الديمقراطية! دولة بلا حريات سياسية تقريباً ولا تعددية حزبية تمتلك ثانى أكبر اقتصاد عالمى، وتمثل قوة عسكرية وصناعية وتكنولوجية هائلة، وتطبق إلى حد كبير نظاماً لحكم رشيد ومكافحة الفساد. والحقيقة أن ارتباكنا فى مواجهة الديمقراطية لا يعكس فقط انتماءنا الفكرى أو السياسى لكنه يعكس أيضاً سلوكنا وموقفنا خلال السنوات الثلاث 2011-2013. ففى خلال هذه الفترة بدا انكشافنا الديمقراطى المفاجئ حتى على صعيد النخب، حيث كانت مواقعنا ومصالحنا هى التى تقود مواقفنا وخياراتنا السياسية. بالطبع لم يحدث هذا للجميع لكنه حدث للكثيرين منهم بالحد الأدنى. ولهذا فشلت التجربة/الثورة وفشلنا بدورنا وكنا على أعتاب الفوضى لولا تدخل الجيش ليوقف سيناريو الاندفاع نحو حافة المجهول. وما أدراك ما المجهول يومئذ فى عالم عربى لا يستطيع فيه أحد التنبؤ بما يمكن أن يحدث حتى بعد أسبوع.
ما سبق قوله لا يعنى سقوط الاعتقاد الديمقراطى بقدر ما يعنى أن واقعنا فى مصر والإقليم وربما العالم كله يشهد حالة انخفاض طلب على الديمقراطية بدرجات متفاوتة ولأسباب شتى. ثمة تساؤل مكتوم اليوم فى العالم كله حول مستقبل الديمقراطية. تساؤل وصل إلى حدود شمال أوروبا بشأن مصير الديمقراطية فى الغرب بفعل تنامى اليمين المتطرف وظواهر الهجرة. تساؤل قابع فى بلاد العرب بتأثير الصعوبات الاقتصادية والمعيشية التى طالت حتى الطبقة الوسطى. تساؤل تتردد أصداؤه فى المجتمع اللبنانى الذى كان يبدو من الناحية الاقتصادية مستريحاً ولو نسبياً لكنه يوشك على الدخول فى دائرة الإعصار ويدخل فى حالة الارتباك والاختيار المر بين الحرية والفوضى.
معظم ما يجرى اليوم حولنا، وبالتأكيد ما جرى منذ عقود فى شرق آسيا يقود إلى طرح السؤال إياه عن الإصلاح أو الثورة ولأيهما ستنحاز الشعوب وتبادر أنظمة الحكم. ثبت الآن وثورة يناير توشك أن تكمل عامها التاسع أن خيار الثورة مكلف لمائة سبب وسبب، وأن خيار الإصلاح آمن ومطلوب، لكن للإصلاح شروطاً للنجاح، وأثماناً تُدفع، وبيئة للعمل والإنجاز. فالإصلاح لا يحتاج فقط إلى إرادة سياسية قوية وحاسمة لكن أيضاً إلى قيم للتقدم تشكّل حاضنة ثقافية له فى المجتمع. وهذا بالضبط عين ما حدث فى الصين وكوريا وسنغافورة وماليزيا. المسألة إذن ليست فى المقارنة مع هذه الدولة أو تلك، المسألة كلها تتلخص فى إرادة الإصلاح وقيم التقدم. الأولى وظيفة دولة بمعنى السلطة، والثانية دور مجتمع بمعنى الأفراد. بالطبع لم يأفل بعد نجم الديمقراطية الليبرالية لكن الصين أصبحت تمثل بديلاً جاذباً ونموذجاً لنجاعة خيار الإصلاح فى مقابل الثورة. هل تبقى الصين بمعزل عن حركة الإعصار الغامض الذى يحمل رياح التفكيك والتفتيت ويتربص بأصحاب القرار الوطني؟ لا أحد يعرف لكن المؤكد أن النموذج الآسيوى نجح لأنه صنع على مقاسه ووفقاً لظروفه مشروعاً للتقدم. فما الذى يضيرنا نحن من استلهام النماذج الناجحة لدى الآخرين!.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: