رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحاجة إلى تجديد منظومة القيم الثقافية

يشهد العالم تغيرًا كبيرًا فى المنظومات القيمية. فلقد تعرض العالم فى السنوات العشرين الماضية لتغيرات كبيرة على أثر التحديات التى فرضتها العولمة، وما أدت إليه من انكشاف العالم وانفتاح الآفاق المعرفية والاستهلاكية والتكنولوجية. وازدادت الآثار المترتبة على هذه التحولات إلى درجة أن أصبح مفهوم مجتمع المخاطر هو المفهوم الأكثر شيوعًا فى وصف العالم الذى نعيش فيه. ولقد تغيرت منظومات القيم فى مجتمعات العالم المعاصر، وتعرضت للتحلل والاستبدال والإحلال. واتخذ هذا التغير فى منظومات القيم طريقين: الأول هو تحول القيم من المعنوية إلى المادية، والثانى هو تحول القيم من الجمعية إلى الفردية. ولا ينطبق هذا التغير على المجتمعات المتقدمة فحسب, بل ينطبق أيضا على مجتمعات الجنوب. وقد طال هذا التغير فى منظومات القيم المجتمع المصري, حيث أكدت الدراسات والبحوث أن أنساق القيم تعرضت لموجات كبيرة من التغير، على أثر التغيرات العالمية التى أشرنا إليها آنفًا، إلى جانب التغيرات الإقليمية والمحلية, على رأسها تزايد معدلات الهجرة إلى الدول النفطية، وتحول بنية الطبقات الاجتماعية، وعلى رأسها الطبقة الوسطى، وما ترتب على ذلك من تدهور وإهدار لرأس المال الاجتماعى الذى انعكس على تفكك الروابط الجمعية وانخفاض معدلات الثقة، وانخفاض مستوى الارتباط بالقيم العمومية.

وعلى هذه الخلفية تصبح الحاجة ماسة لفهم عمق ونطاق التغير والحدود المفروضة على التغير والعقبات التى يمكن أن تعترضه، كما تصبح الحاجة ماسة لخلق إجماع حول الأطر الثقافية التى تدفع المجتمع إلى الأمام، وتحجب عنه الوهن الخلقى بصوره المختلفة، والعمل على تحديث منظومة القيم وإعادة بنائها فى إطار تجديد المنظومة الثقافية بعامة. فالأمم تُصنع والمجتمعات تبنى، والبناء لا يكون إلا على أساس؛ واللبنة الأولى فى البناء هى بناء منظومة القيم أو قل الأطر الثقافية الحاكمة للسلوك؛ فالقيم هى الموجهات العامة للسلوك، وهى التصورات والمعانى التى تنعكس فى سلوك الأفراد واختياراتهم. والقيم بهذا المعنى هى التى تشكل العقل العام أو الذات الكلية (الجمعية)، أو الضمير العام للمجتمع. ومن ثم فإن العمل على تجديد منظومة القيم هو سعى من أجل تجديد العقل العام وبناء الذات الكلية والضمير الجمعي؛ بحيث يبدو المجتمع متماسكًا لا تباعد بين أفراده وجماعاته، واثقا وعادلا ومنجزًا ونزيهًا وشفافًا يتسابق أفراده نحو الفضيلة، ويعيشون فى إطار منظومة قيم كلية متماسكة تتلاءم مع التقدم المنشود والروح المدنية والعدل الاجتماعى. أو قل منظومة تتلاءم وبناء المجتمع الحديث الذى يؤمن فيه الأفراد بجدوى الاختلاف، واحترام الذوات الفردية، ويعملون فى ضوء مسئولية مشتركة وقواعد أخلاقية عامة. حينئذ تخضع الحياة العامة فى المجتمع لشفرة أخلاقية محددة من أجل تحقيق المصلحة العامة لكل أفراد المجتمع. ومن الأهمية بمكان أن يكون التغير المطلوب عامًا وشاملاً، لا يعتمد على الترقيع أو التدخل فى بُؤُرات معينة وترك البُؤُرات الأخرى. فإذا كان الخلل الذى يعانيه المجتمع عامًا ومتصلا بشكل مباشر بطبيعة الحياة الاجتماعية، فإن رؤية التغيير يجب أن تكون عامة وشاملة ومرتبطة بعمليات معقدة لتحديث الأطر الثقافية الحاكمة للفعل والتفاعل.

ولا يجب أن تؤخذ عمليات بناء القيم مأخذًا بسيطاً وسهلاً، كأن نقول مثلاً إننا يمكن أن نغير القيم من خلال التدريب والتوجيه الإعلامى والإعلاني؛ أو كأن نقول إن هذه العمليات يمكن أن تقوم بها جهات مختلفة كل فى مجال تخصصه, أو ضرورة التوفيق بين القيم الأصيلة والمعاصرة، أو أى شكل آخر من أشكال القول التى تتردد فى كثير من الخطابات الإعلامية والثقافية، فالعملية التى نحن بصددها أكثر تعقيداً مما يتصور أحد، فهى تتصل بإعادة تشكيل أطر أصبحت راسخة عبر سنوات عديدة، وتغيير ذهنية تعودت على أنماط من التفكير أبعدها كثيرًا عن معطيات الحضارة. ولذلك فإننا لا يمكن أن نتحدث عن تغيير من هذا النوع دون أن يكون هذا الحديث مرتبطاً بالتأكيد على ثورة فكرية لبناء عقل جديد وروح جديدة. ولتحقيق ذلك نحتاج إلى عمليات فرعية عديدة. فكما ننشغل ببناء الاقتصاد وأركان المعاش المختلفة، لابد أن ننشغل ببناء الأمة، لتجديد روحها وعقلها، وبناء قدرات أبنائها، وشحذ همتهم لتحقيق وثبة قوية إلى الأمام. ويدعونا هذا الانشغال إلى أن نؤكد قيماً مركزية يفترض أن يعيش الناس من أجل تحقيقها، هذه هى القيم التى وردت فى دستور البلاد وأكدت مبادئ العدل والحرية والمساواة والشفافية واحترام القانون وحقوق المواطنين؛ وكذلك القيم التى تنبت عبر المسيرة مثل قيم الانجاز، واحترام الوقت، والالتزام بالمسئولية الأخلاقية، والعمل من أجل المجموع لا من أجل تحقيق مصالح فردية.

وإذ تشكل كل هذه القيم إطارًا مركزياً شاملاً يتم تأكيده فى كل صور الخطاب الهابط من الدوائر السياسية والإعلامية، فإنها تنزاح فى الحياة، وتتشكل فى حقول الحياة المختلفة؛ فى الاقتصاد والسياسة، والمؤسسات الخدمية المختلفة، والاتحادات المهنية والثقافية والمدنية، وكل أشكال المؤسسات التى يخضع عملها للوائح وتنظيمات. يتوقع هنا أن تتحول القيم المركزية إلى أكواد تفصيلية تحكم السلوك والتفاعل داخل كل حقول المجتمع، وتظل هذه الأكواد تنزل إلى أسفل حتى يصبح لكى مؤسسة صغيرة مدونة سلوكية تحدد أهدافها وطرق تفاعلاتها مع المجتمع. ثم تظل تتسع حتى تصبح أسساً لتشكل التفاعل العام فى عوالم الحياة اليومية.

وإذا كان البشر هم الذين يضعون هذه الأكواد، وهم الذين يحتفظون بها وبرموزها الثقافية فى ذاكرتهم؛ فإن تكوين الإنسان وبناء عقله ووجدانه بالقيم الإيجابية التى أكدها مركز المجتمع وتؤطرها مؤسساته المختلفة، يكون مسئولية الوسائط المختلفة للتنشئة (الأسرة - المؤسسات التعليمية والمؤسسات الثقافية والإعلامية)، وعبر أدوات التنشئة النوعية (النقابة والحزب والمسجد والكنيسة ومؤسسات العمل...). وفى كل الأحوال، يبقى القانون رقيباً وحافظاً لحدود القيم ومبادئها. وهنا تكتمل معادلة البناء والتجديد، بالعقل الذى يشكل الأطر، واللغة التى تبث بها، والإنسان الذى يلتزم بمبادئها، ويحرص على أن يتعلمها ويعلمها، والعقاب الصارم لكل من يخرج عن أصولها.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: