رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اللغة العربية من صلب أمننا القومى

كما هو معروفُ أصبح الثامن عشر من ديسمبر كل عام يوماً عالمياً للغة العربية، لا يخلو فى بلاد العرب من بعض الاحتفالات والمسابقات، بقدر ما يتحوّل لدى المهمومين بلغة الضاد لما يُشبه المرثية السنوية للتعبير عن مشاعر مختلطة من الحب والفخر والحزن والحسرة بشأن لغة طالما أسهمت فى الحضارة الإنسانية ثم أصبحت تعانى الاغتراب والتراجع فى ديارها وعلى ألسنة أبنائها. المفارقة هى أن لدينا تراكما (وربما ركام) هائل من الدراسات والأبحاث والمشروعات والمبادرات والمجالس واللجان التى قدّمت من الرؤى والسياسات ما هو كفيل بالنهوض بها، ومع ذلك فما زال واقع التراجع والتدهور مستمراً. أصبح الكلام مكرّراً كل عام حتى تساءلت فيما إذا كان لكتابتى اليوم قيمةُ جديدة أم أننى أمارس طقساَ سنوياً مكرّراً؟ ولهذا أشارك فى اليوم العالمى للغة العربية بطرح سؤالين، أولهما: هل القضية اللغوية فى بلاد العرب قضية ثقافية فقط أم أنها- كما أعتقد- تمس صلب الأمن القومى العربي؟ وثانيهما: هل اللغة العربية سبب لواقع التخلف العربى أم نتيجة لهذا الواقع؟ وهو سؤال ألحّت به عليّ بعض المقالات الأخيرة عن اللغة العربية التى ترى أن العربية هى سبب تخلفنا لا نتيجته.

عن السؤال الأول يُلاحظ أننا نتعامل فى الغالب مع قضية اللغة العربية من منظور ثقافى وحضارى ودينى، بمعنى أن العربية تمثّل أهمية كبرى فى البنية الثقافية، وتعكس كينونة حضارية، وتجسّد الانتماء الدينى فى المجتمعات العربية. وهذا بذاته أمر صحيح وواقع مؤكد. لكن ثمة ملاحظة أولى هى أن الارتباط ليس حصرياً ولا حتمياً بين الكينونة الحضارية والانتماء الدينى من ناحية وبين اللغة العربية من ناحية أخرى، بدليل أن هناك دولاً إسلامية ربما يفوق بعضها العرب تقدماً لا تعد اللغة العربية لغتها الرسمية ولا يتحدث بها عموم الناس مثل إندونيسيا وباكستان وتركيا وإيران، ويقتصر وجود اللغة العربية فى هذه المجتمعات على أداء الصلوات الدينية بها. أما الملاحظة الثانية فهى أن للمسيحيين العرب دوراً كبيراً لا يمكن إنكاره فى الاهتمام باللغة العربية وإثرائها لا سيّما فى بلاد الشام. العربية إذن تتجاوز مسألة الانتماء الدينى.

الواقع أن اللغة العربية لم تعد فقط قضية ثقافية أو دينية ولكنها أصبحت أيضاً قضية سياسية واستراتيجية تمس صلب الأمن القومى العربى ذاته. فتراجع العربية إلى حد عزوف قطاع متزايد من الأطفال والنشء والشباب لدى بعض الشرائح الاجتماعية عن الحديث بها وإيثار الحديث بلغة أجنبية يعكس ضعفاَ ملحوظاً فى بنية الانتماء الوطنى. وجه الخطورة فى هشاشة هذا الانتماء لدى الشرائح الناطقة بلغة أجنبية دونما مبرر فى المنازل والشوارع والنوادى والجامعات أن اللغة هنا ليست مجرد مفردات صماء ينطق بها الناس لكنها عملية عقلية ووجدانية ونفسية لا يُستهان بتأثيرها. وحين قال الفيلسوف والأديب الفرنسى Albert Camus عبارته الشهيرة: «نعم لديّ وطن.. إنه لغتى الفرنسية»، لم يكن مبالغاً فى تشبيه اللغة بالوطن. قد يقول البعض وما المشكلة إذا انفتح الناس على لغة أجنبية وراق لهم الحديث بها؟ بالطبع ليس ثمة أدنى مشكلة، بل إن الانفتاح على ثقافات ولغات اجنبية هو أمر مطلوب ومحبّذ لاكتساب المعارف والعلوم والاستفادة من تقدم الآخرين. المشكلة تكمن تحديداً فى أن بعض شرائح الأجيال الجديدة الناطقة فى مجتمعها وعلى أرضها بلغة أجنبية أصبحت تجهل لغتها الأم، فى ظاهرة تكاد تكون مستحيلة فى المجتمعات المتقدمة. فلن تجد إنجليزياً يجيد الحديث بالفرنسية بأفضل من لغته الأم، ولا ألمانياً يجيد الحديث بالإنجليزية بأفضل من لغته الألمانية. والحاصل اليوم فى بلاد العرب أن حديث هؤلاء بلغة أجنبية أصبح يعكس شعوراً زائفاً بالتميز بقدر ما يبدو الحديث بالعربية يعكس إحساساً غريباً بالدونية. تلك ظاهرة خطيرة تتعلق بالانتماء الوطنى الذى لا يعنى فى مفهومه الصحيح الانغلاق على الذات ـ كما يصوّر البعض أحياناً ـ لأن الانتماء المستنير لوطن لا يمنع من الانفتاح الإنسانى، بل نحن أحوّج ما نكون اليوم إلى الإثنين معاً.

تظل القضية اللغوية قضية أمن قومى عربى، لأن تجربة التاريخ تثبت أنه ما من دولة حقّقت نهضةً علمية بغير لغتها الوطنية، وأمثلة اليابان والصين وكوريا الجنوبية بل دولة الاحتلال فى إسرائيل ماثلةُ أمامنا، حيث تعتبر اللغة الوطنية فى هذه البلدان هى لغة التعليم والفكر والعلوم والآداب والفنون. صحيحُ أن هذه الدول نجحت فى المزاوجة الثنائية بين لغتها الوطنية والانجليزية لا سيّما فى مجال العلوم لكن هذه الثنائية اللغوية تحققت بشروط معينة وبما لم يؤد إلى تدهور أو تراجع اللغة الوطنية الأم.

أما السؤال الثانى عما إذا كان تدهور اللغة العربية هو سبب واقع التخلف العربى أم نتيجة له فهو سؤال نقاش نظرى فلسفى يطرحه البعض. هناك من يرى أن التدهور اللغوى هو سبب عجز العرب عن ملاحقة التطور الحاصل فى المجالات العلمية والتقنية. يبدو هذا الرأى متأثراً بكون علوم مثل الطب والهندسة يصعب تدريسها أو ملاحقة حركة التقدم فيها بدون اللغة الإنجليزية، وهذا بذاته أمر صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن واقع تدهور العربية يبدو نتيجةً وليس سبباً لواقع التخلف العربى الذى لا يجب حصره فقط فى التخلف العلمى والتقنى عن ركب العالم المتقدّم، لأنه يشمل أيضاً واقع التخلف الفكرى والمعرفى وإلا لما حفلت صحف الأسبوع الماضى بهذا الكم الكبير من المقالات عن فكر عربى جديد، ما يؤكد أن العرب يعيشون أزمة فى الفكر والمعرفة. والأمثلة عديدة على أن تدهور اللغة نتيجة وليس سبباً للواقع العربى، فلو كان التعليم جيداً، بما فيه تعليم العربية نفسها لما تدهور واقعنا اللغوى. ولو كنا نفكر تفكيراً حراً لأقدمنا على تطوير اللغة العربية لتواكب حركة التقدم العالمى بلا خوف غير مبرّر بتأثير البعد المقدّس فيها، لأن القرآن الكريم كما يرى أهل التخصص كُتب فى البداية بلا تنقيط ولا تشكيل وتضمن بعض المفردات الأعجمية بما يعنى إمكان إثراء العربية بمفردات أجنبية متى توافرت الحاجة والشروط.

خلاصة الأمر أننا مدعوون اليوم لمواجهة ظاهرة تراجع وتدهور لغة الضاد بقدر حاجتنا إلى طرح سؤال تطوير طرائق التدريس وتطوير العربية، بما يجعلها سهلةً على ألسنة أبنائها ويحد من استشراء العاميات العربية. أدرك أن سؤال التطوير اللغوى شائك ومحفوف بالمخاطر لكن بوسع الأحرار لغوياً أن يواصلوا طرح السؤال.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: