رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التحول الصناعى ينطلق من مدينة دمياط للأثاث

لم تكن زيارتى دمياط يوم الثلاثاء الماضى هى الزيارة الأولى لتلك المحافظة المصرية المتميزة، وإنما سبقتها زيارات عديدة لأسباب مهنية وشخصية متنوعة، لكنها كانت المرة الأولى التى أذهب إليها عبر طريق محور 30 يونيو الجديد الذى يربط بين طريق القاهرة - الإسماعيلية، ومحافظتى بورسعيد ودمياط.

الطريق الجديد اختصر ساعة تقريبًا من مدة السفر المقررة إلى محافظة دمياط لنصل إلى مدينة الأثاث الجديدة التى تقع فى الظهير الصحراوى للمحافظة، وتحديدًا فى منطقة شطا وعزبة البرج.

هناك كانت الخطوة الأولى للتحول الصناعى الضخم الذى تشهده مصر خلال المرحلة المقبلة، من خلال افتتاح مجموعة من المدن الصناعية المتخصصة فى صناعات بعينها لأول مرة فى مصر والتى سوف يتم افتتاحها تباعًا خلال الفترة المقبلة، لتتبوأ الصناعة مكانتها التى تستحقها فى قيادة الاقتصاد الوطني.

أن تكون البداية الانطلاق من دمياط فهذا أمر طبيعى، لأن «دمياط» لها طبيعة خاصة، فهى محافظة لا تعرف البطالة لها طريقًا، وهى عبارة عن «ورشة» صناعية كبيرة لصناعة الأثاث وصناعات أخرى، لكن صناعة الأثاث تحتل المرتبة الأولى بين تلك الصناعات، ويعمل بها معظم أبناء دمياط (صناعة وتجارة)، حتى ذاع صيتها محليا وعالميا، وأصبحت مدينة الأثاث الأولى فى مصر، ولها شهرة عربية وعالمية لدقة صناعتها وجودة إنتاجها، وأسعارها التى لا تقارن.


أهالى دمياط يتميزون بالجدية والانضباط والالتزام فى العمل، وكلها قيم »تاهت» للأسف وسط زحام «الفهلوة» وغيرها من الأمراض الاجتماعية التى انتشرت وأصبحت تمثل حاجزا ضخما أمام القدرة على التقدم، وأدت إلى تحول الشعب من الإنتاج إلى الاستهلاك.

دمياط إلى جوار كونها أشهر مدينة لصناعة الأثاث فى مصر والعالم العربى وإفريقيا، فهى تقع فى موقع شديد التميز لأنها تطل على البحر المتوسط، وفى رأس البر إحدى مدن محافظة دمياط يلتقى النيل مع البحر الأبيض المتوسط فى المنطقة المعروفة بـ «اللسان» وهى المنطقة التى يقول بعض العلماء والمفسرين عنها: إنها تنطبق عليها الآية الكريمة «مرج البحرين يلتقيان. بينهما برزخ لا يبغيان».

على الجانب الآخر، فإن ميناء دمياط يعد أحد أهم الموانى المصرية. حيث يستوعب نسبة كبيرة من حركة التجارة الداخلية، وبه محطة ضخمة للحاويات تعد إحدى أهم المحطات فى المنطقة، وبها 4 أرصفة حاويات، يبلغ طولها ألفا و50 مترا، وعمقها 14.5 متر، وتحتل مساحة تبلغ 465 ألف متر مربع، بالإضافة إلى منطقة للتوسعات المستقبلية تبلغ نحو 800 ألف متر مربع.

كل هذه المقومات جعلت من محافظة دمياط محافظة لها طبيعة خاصة تجمع كل مقومات التفوق الصناعى والتجارى والسياحى للانطلاق خلال المرحلة المقبلة بشرط استغلال تلك المزايا النسبية وتوظيفها بما يضمن الحصول على أفضل الفرص المتاحة.

البداية كانت من مدينة دمياط الجديدة للأثاث التى افتتحها الرئيس عبدالفتاح السيسى يوم الثلاثاء الماضى وهى الزيارة الثانية التى يقوم بها الرئيس إلى محافظة دمياط، حيث زارها فى العام قبل الماضى، حينما افتتح العديد من المشروعات الخدمية فيها، ووضع حجر الأساس لمدينة الأثاث التى تم افتتاحها خلال الزيارة الأخيرة.

مدينة الأثاث مشروع ضخم تأسس كشركة مساهمة مصرية فى يوليو 2016، وتم وضع حجر الأساس للمشروع فى العام قبل الماضى، ويقام على مساحة 331 فدانا كأول مدينة متكاملة لصناعة الأثاث والصناعات المغذية لها بما يسهم فى رفع حجم التجارة الداخلية للأثاث من 12 مليار جنيه إلى 35 مليار جنيه، وزيادة الصادرات المصرية من الأثاث من 360 مليون دولار فقط الآن إلى مليارى دولار خلال المرحلة المقبلة، والوفاء باحتياجات السوق المحلية بما يؤدى فى النهاية إلى الحد من الواردات وزيادة الصادرات واستيعاب عدد كبير من الأيدى العاملة.

المعروف أن صناعة الأثاث من الصناعات كثيفة العمالة التى تستوعب أعدادا كبيرة من العمالة وترتبط بالعديد من الصناعات المغذية لها مثل الدهانات والمفروشات.

تطوير صناعة الأثاث ـ كما أشار الرئيس خلال جولته التفقدية فى مدينة الأثاث الجديدة ـ لن يكون على حساب الأيدى العاملة، لأن التطور التكنولوجى يضيف العديد من فرص العمل، وفى الوقت الذى يمكن أن يختفى فيه بعض فرص العمل، فإنه يظهر أضعاف تلك الفرص نتيجة التطور التكنولوجى واستخدام الماكينات الحديثة التى تسهم فى مواكبة تطورات العصر لتحقيق الاكتفاء الذاتى من تلك الصناعة الحيوية وزيادة فرص التصدير.

الميزة الأساسية لمدينة الأثاث أنها مدينة صناعية بالمفهوم الصحيح، فهى مقامة على مساحة شاسعة بها مجموعة ضخمة من المصانع والورش والمخازن والمعارض بما يخدم ويعزز تلك الصناعة، وهى أول مدينة صناعية متخصصة تقام بهذا الأسلوب العلمى الحديث، وبهذه الطريقة. وأعتقد أن هناك عددا آخر من المدن فى الطريق، ومن أبرزها مدينة الجلود الجديدة فى الروبيكى المتخصصة فى دباغة وصناعة الجلود، هذه المدينة التى تقام على مساحة 1629 فدانا بحيث تستوعب الورش القديمة فى سور مجرى العيون، وتكون هناك فرصة كبيرة للتوسعات المقترحة والجديدة.

المدن الصناعية المتخصصة هى تطوير لأفكار ومحاولات سابقة لم تكتمل لأنها لم تكن مخططة بتلك الطريقة الحديثة والمتطورة مثلما حدث فى منطقة المدابغ بسور مجرى العيون، ومصانع الغزل والنسيج فى شبرا الخيمة والمحلة.

المشكلة فى تلك المحاولات السابقة أن تلك المناطق تمت زراعتها بشكل غير مخطط أو مدروس فى قلب الكتلة السكنية أو فى المناطق الزراعية، ولم تكن مخططة بالشكل العلمى الذى يستوعب المتغيرات العصرية المتلاحقة على تلك الصناعات، وللأسف تحولت تلك المناطق فيما بعد وبمرور الزمن إلى مناطق عشوائية وغير آمنة بسبب التداخل ما بين المناطق السكنية والصناعية، وعدم القدرة على التوسع المخطط.

الجيل الجديد من المدن الصناعية المتخصصة التى أطلقها الرئيس عبدالفتاح السيسى راعت تلك الظروف والمحاذير، فهى عبارة عن مناطق صناعية متكاملة بعيدا عن الاشتباك مع المناطق السكنية أو الاعتداء على الأراضى الزراعية، كما أنها تراعى ظروف التوسعات المستقبلية، وتم تخطيطها وتشكيل شركات متخصصة لإدارتها لتذليل كل العقبات التى تعترض المستثمرين والمنتجين، وتمنع كل التشابكات والعشوائيات التى قد تظهر هنا أو هناك.

أعتقد أن نجاح التحول الصناعى الضخم فى المرحلة المقبلة يتطلب إقامة العديد من تلك المدن الصناعية المتخصصة على غرار ما حدث فى مدينتى الأثاث والجلود، بما يسهم فى رسم خريطة صناعية متطورة وحديثة، ويؤدى إلى دمج الاقتصاد غير الرسمى لعدد هائل من الورش والصناعات الصغيرة فى الاقتصاد الرسمى، لتلبية احتياجات السوق المحلية، ورفع نسبة الصادرات الصناعية إلى أضعاف معدلاتها الحالية.

كل هذه الخطوات سوف تؤدى حتما إلى استيعاب الملايين من فرص العمل، وتحويل الاقتصاد المصرى من الاقتصاد الريعى القائم على الخدمات، والسياحة، والتجارة، إلى الاقتصاد الإنتاجى الذى تلعب فيه الصناعة دورا محوريا ورئيسيا.

الاهتمام بالأجيال الجديدة من المدن الصناعية المتخصصة والتوسع فيها لا يعنى أبدا إهمال الصناعة فى المناطق القديمة، وإنما يسير الاهتمام بالتوازى، ودون أن يجور أى منهما على الآخر.

حدث هذا فى اليوم التالى لافتتاح مدينة الأثاث، حينما أطلقت الحكومة بالتعاون مع البنك المركزى مبادرة لدعم وتمويل الصناعة بقيمة 100 مليار جنيه يوم الأربعاء الماضى، من خلال حزمة من الإجراءات التى من شأنها الإسهام فى زيادة الإنتاج، والارتقاء بالصناعات الصغيرة والمتوسطة، وإنهاء المشكلات التى تواجه المصانع المتعثرة لكى يعاد تشغيلها مرة أخري.

بحسب محافظ البنك المركزى طارق عامر فإن هناك 5184 مصنعا متعثرا بسبب القضايا مع البنوك وتراكم الفوائد والديون، وسوف يقوم البنك المركزى بإعفاء هذه المصانع من 31 مليار جنيه فوائد متراكمة على تلك المصانع، وإزالتها من القوائم السلبية للبنوك بما يتيح لها فرص الاقتراض من البنوك مرة أخرى فى حالة تسديد 50% من أصل الدين.

إلى جوار ذلك فإن البنك المركزى والبنوك سوف توفر 100 مليار جنيه بفائدة 10% متناقصة لتمويل الأنشطة الصناعية القائمة حاليا، التى تسعى إلى التوسع أو لتلك الفرص الصناعية الجديدة مع إعطاء الأولوية للصناعات التى سوف تسهم فى تخفيض فاتورة الاستيراد، وزيادة قيمة الصادرات، وتغطية جزء من احتياجات السوق المحلية، على أن تتحمل وزارة المالية والبنك المركزى فرق تكلفة سعر الفائدة.

المبادرة الجديدة سوف تحدث حراكا ضخما فى قطاع الصناعة وهى بمثابة حجر ضخم تم الدفع به لتحريك مياه الصناعة الراكدة نتيجة الظروف الاستثنائية الصعبة التى واجهتها الصناعة المصرية بعد 2011 نتيجة الفوضى والانفلات الأمنى وتوقف عجلة الصناعة والإنتاج فترات طويلة، مما كبد العديد من أصحاب المصانع خسائر ضخمة وأغلق آلاف المصانع، بسبب تراكم فوائد الديون، والعجز عن السداد فكانت تلك المبادرة التى سوف يستفيد منها كل هؤلاء المتعثرين إذا توافرت لديهم الرغبة الجادة فى إعادة دوران عجلة العمل والإنتاج وتخطى المشكلات الحالية.

يبقى فقط أن تفكر الحكومة فى إعطاء ميزة نسبية للراغبين فى العمل بالمناطق الصناعية المتخصصة الجديدة، ولتكن فى شكل حوافز فى التمويل، أو حوافز ضريبية، أو آى تسهيلات أخرى لمدد زمنية محددة، بحيث يتم تشجيع الراغبين على سرعة الانتقال إلى تلك المناطق الجديدة بما يضمن تشغيل تلك المناطق بأقصى طاقتها خلال أقل فترة ممكنة.

[email protected]
لمزيد من مقالات بقلم ــ ‬عبدالمحسن‭ ‬سلامة

رابط دائم: