صادف أمس الأول الاحتفال بيوم التطوع العالمى، وهو تقليد استنته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ عام 1985، بهدف تشجيع الناس على المساهمة فى الخدمات التطوعية. وإذا نظرنا حولنا، سوف نجد جانبا كبيرا من الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتنموية يمكن أن يقوم به متطوعون، يقدمون خبراتهم، ووقتهم، ونشاطهم لتطوير نوعية الحياة، وبعض المتطوعين فى الدول المتقدمة يتركون مجتمعاتهم المرفهة، ويذهبون إلى دول نامية بهدف خدمة السكان المحليين بدافع انسانى أو بوازع دينى أو اجتماعى. وإذا كان المجتمع المصرى يعانى مثل مجتمعات عديدة اقتصاديا واجتماعيا، فإن التطوع فى تقديم الخدمات العامة سواء الاقتصادية أو التعليمية أو الصحية أو الثقافية يُعد إضافة لمن يتلقى الخدمة، وهو فى احتياج لها، وكذلك لمن يقدم الخدمة حيث يشعر بالرضاء النفسى، وفى النهاية يرتفع منسوب الثقافة الإنسانية العامة.
بالطبع يمكن أن تشجع هيئات كثيرة على التطوع، ولكن تظل المنظمات غير الحكومية هى الوعاء الأساسى للمتطوعين، فهى كيانات نشأت أساسا بدافع انسانى، وبإرادة حرة من أعضائها بهدف خدمة المجتمع، وهى فى فلسفتها الأساسية تقوم على التطوع، وكلما استطاعت أن تبنى قاعدة من المتطوعين، تمكنت من تقديم خدماتها على نحو أفضل. ولكن للأسف، رغم كثرة أعداد الجمعيات الأهلية الذى يقدر بعشرات الالاف، يقل فيها عدد المتطوعين إلى حد الندرة فى غالبيتها، ويشكو المجتمع من نقص روح التطوع، وهى نتيجة غير حقيقية. وأظن أنها تعبر عن العكس تماما، إذ إن هناك هيئات كثيرة استطاعت أن تقوم على فرق كاملة من المتطوعين، وحققت نجاحات فى عملها، وهو ما يدفعنا إلى التفكير فى أسباب عزوف الناس، وبخاصة الشباب، عن التطوع فى الجمعيات الأهلية. السبب الأساسى هو انخفاض مصداقية بعض هذه الجمعيات، وعدم قدرتها على بناء قاعدة شعبية لها، مما أضعفها، وجفف شرايين الحركة بداخلها، وجعلها مغتربة عن واقعها المحلى. من هنا فإن الحديث عن ثقافة التطوع، يلازمه تفكير فى رفع قدرة الجمعيات الأهلية على بناء قاعدة شعبية لها، تسمح باجتذاب متطوعين لها، يعظمون من قدراتها على بلوغ المجتمع المحلى.
هناك عدة متطلبات ينبغى توافرها فى أى كيان غير حكومى جاد لبناء قاعدة شعبية.
الأول: وضوح رسالة الجمعية الأهلية فى ذهن القائمين على العمل، وكذلك الجمهور المستهدف من أنشطتها. فى بعض الحالات يسيطر التمويل على أهداف وأنشطة الجمعيات الأهلية، ويفقدها رؤية احتياجات مجتمعها المحلى، وبالتالى الانفصال عنه.
الثاني: الأخذ بقواعد الديمقراطية والمشاركة والمساءلة والشفافية، والنزاهة فى إدارة العمل الأهلى، لأن ذلك يشكل المدخل الأساسى لمصداقية أى كيان غير حكومى، وعنصر جذب أساسى للشباب للتطوع فى أعماله.
الثالث: اعتبار المتطوع موردا بشريا مهما، ينبغى الاستثمار فيه، وإتاحة أمامه فرص التعلم، والتواصل، وعدم النظر إليه بوصفه عنصرا بشريا للاستغلال، أو الإفادة القصوى منه دون الرغبة فى تحقيق نموه معرفيا ومهنيا وانسانيا.
هذه متطلبات ثلاثة يتعين توافرها فى المنظمة غير الحكومية حتى تستطيع أن تجتذب متطوعين، ولكن ينبغى أيضا أن نعترف أن المجتمع المدنى ليس وحده هو المسئول عن انصراف الشباب عن التطوع فى الخدمة العامة، لأن التطوع كما أنه «دعوة» و«تنظيم» هو أيضا رسالة و روح، وهذه ينبغى أن تبث فى ذهن المرء منذ الطفولة من خلال المؤسسات التعليمية والدينية والأسرة، كما يحدث فى العديد من المجتمعات المتقدمة التى ترى فى التطوع قيمة وغاية. ويسود اتجاه يمجد التطوع فى العمل الدينى، ولا يرى منه نفعا فى العمل الاجتماعى، وهو تصور خاطئ، لأن انتشار ثقافة التطوع فى المجتمع العام عبر روابط تجمع بين طياتها كل فئات المجتمع يعزز التعايش، والفهم المتبادل، والعمل المشترك، ويتجاوز فكر الاستقطاب. هذه الحالة تشكل تحديا أساسيا فى المجتمع. بالتأكيد نحن بحاجة إلى ما يسمى الروابط العابرة أى التى تجمع المختلفين اجتماعيا وثقافيا ودينيا فى خدمة مشروعات ذات نفع عام، بدلا من الانكفاء على الروابط التقليدية الدينية والأسرية والقبلية. هل يمكن أن يتحقق ذلك؟ نعم، ولكن من خلال مشروع قومى تتبناه وزارة التربية والتعليم، تحرص من خلاله على توفير مجالات أساسية للتطوع بالتعاون مع الجمعيات الأهلية، وتصبح التزاما- ولو لفترة مؤقتة- على كل طالب فى المرحلة الثانوية أن يقضى شهرا فى اجازة الصيف فى جمعية أهلية يخدم فيها المجتمع العام، ويشترط أن تكون ذات صفة عامة، لا تعبر عن انتماء دينى أو عائلى أو قبلى، تعمل فى مجالات الرعاية الاجتماعية، والتنمية الإنسانية، وخدمة المجتمع. إذا تحقق ذلك على سبيل الالتزام لفترة، سوف يتحول بعد ذلك إلى ثقافة عامة، ويترسخ فى وجدان المواطنين. هذا مدخل التغيير فى المجتمع.
لمزيد من مقالات د. سامح فوزى رابط دائم: