محيّرةُ هذه الولايات المتحدة الأمريكية حين نقارن انتهازية إدارتها وازدواجية سياستها الخارجية مع القيم العظيمة الملهمة للشعب الأمريكى. قد يبدو هذا أمرا طبيعيا لأن السياسة تحركها المصالح بأكثر من القيم، لكن الحاصل أن الإدارة الأمريكية أصبحت تستخدم القانون لتحقيق الهيمنة والانتهازية السياسية، بينما توهم العالم أنها تدافع عن قيم حضارية. فللمرة الثالثة يصدر الكونجرس الأمريكى تشريعاً ينظم سلوك دول أخرى، ويجيز معاقبة أجانب لا يحملون الجنسية الأمريكية بِشأن أفعال تقع خارج الحدود الأمريكية لا تمثل إضراراً بأمريكا. حدث هذا فى 27 نوفمبر الماضى حين وقّع الرئيس ترامب على التشريع المسمى قانون حقوق الإنسان والديمقراطية فى هونج كونج. وسبق للكونجرس الأمريكى أن أصدر من قبل قانونين مشابهين هما القانون المعروف اختصاراً بقانون JASTA ACT فى 2016 ويجيز مقاضاة «دول» أجنبية أمام القضاء الأمريكى لتعويض أضرار أعمال إرهابية ارتكبها «أفراد» لمجرد انتسابهم لجنسية هذه الدول، وهو القانون الذى وصفته كبريات الصحف الأمريكية آنذاك بالحماقة وعدم الكفاءة التشريعية. ثم أصدر الكونجرس الأمريكى فى ديسمبر 2017 ما عُرف بقانون Global Magnitsky Act الذى يجيز معاقبة أفراد أو كيانات أجنبية متورّطة فى وقائع فساد أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
والقانون الذى وقع عليه الرئيس الأمريكى منذ أيام يخوّل وزارة الخارجية الأمريكية إجراء تقييم سنوى للحكم الذاتى والديمقراطية وحقوق الإنسان فى هونج كونج، وبناء على نتائج هذا التقييم تقرّر الإدارة الأمريكية إبقاء أو إلغاء التعاملات التجارية التفضيلية التى تحظى بها المدينة بموجب القانون الأمريكى. والمعروف أن أمريكا تستثنى جزيرة هونج كونج من القيود التجارية التى فرضتها على الصين الدولة الأم التى عادت إليها ملكية الجزيرة عام 1997 بعد أن ظلت مستعمرة بريطانية لزمن طويل، ويمثل الصينيون فيها نحو 93% من عدد سكانها البالغ 7 ملايين نسمة. الأسباب الحقيقية وراء إصدار هذا التشريع الأمريكى ليست خافية، إذ تكمن فيما تبدو عليه أمريكا من انزعاج وقلق بفعل صعود الصين المتواصل كقوة عظمى فى شتى المجالات. والواقع أن أمريكا ليست منزعجة من الصين فقط لكونها القوة الاقتصادية الثانية فى العالم والتى يتوقع لها أن تتبوأ صدارة الاقتصاد العالمى فى العقد المقبل ولكن انزعاجها وقلقها بسبب تعاظم قوتها العسكرية وتنامى قطاع الصناعات العسكرية فيها. كان لافتاً أن يتضمن العرض العسكرى الصينى فى ميدان السلام السماوى فى أكتوبر الماضى صاروخا صينيا يصل مداه إلى 15 ألف كيلو متر ويمكنه حمل رءوس نووية بحمولة 2500 كيلو جرام ويمكن إطلاقه من منصات متحركة تنتقل عبر السكك الحديدية فى عربات قطارات تشبه عربات الركاب. ولم يكن مصادفة أن يصرّح الرئيس الصينى منذ أسابيع بأن بوسع الصين سحق عظام من يحاولون تقسيم بلاده. لم يكن التصريح موجها بالطبع إلى حفنة الشباب المتظاهر فى هونج كونج بقدر ما كان موجها للخارج. الصين تجنى اليوم ثمار حكمتها الموروثة من حضارة قديمة، وكمون استراتيجى يبدو أنه استنفد مرحلته وبدأ يخرج من الاختباء إلى العلن ويمارس الدور الذى يليق بدولة عظمى. ويبدو أن أمريكا لا تطمئن إلى الذكاء الصينى فى عملية استعادة ثم إدارة هونج كونج تحت شعار دولة واحدة بنظامين تحتفظ فيها الصين بالتمثيل الدبلوماسى والدفاع العسكرى عن الجزيرة العائدة بعد غياب 156 عاما تحت الاحتلال البريطانى، ويبلغ إجمالى ناتجها المحلى نحو 360 مليار دولار سنويا.
كثيرة هى تساؤلات السياسة والقانون التى يثيرها التشريع الأمريكى الأخير المتعلق بهونج كونج، ومن قبله تشريع جاستا وماجنتيسكى. سؤال السياسة أولاً حول ما إذا كانت مثل هذه التشريعات الأمريكية العابرة الحدود تعكس بالفعل حرص أمريكا وغيرتها على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ نظرياً لا يمكن الاعتراض على تشريع يناصر هذه القيم ولو للغرباء عن أمريكا، وهناك دول أخرى بلا نزعات هيمنة أو أطماع سياسية خارجية أصدرت تشريعات مشابهة لتشريع ماجنتيسكى. لكن مشكلة التشريعات الأمريكية العابرة الحدود تتجلى فى توظيفها السياسى وما تنضح به من ازدواجية وانتهازية فى سلوك الإدارة الأمريكية. فلا يذكر العالم أن مجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو الإدارة الأمريكية قد تحركوا بهذه السرعة والهمة والغيرة بشأن قضايا ومظالم تاريخية تمثل انتهاكا جسيما لحقوق الإنسان والقانون الدولى تجسدها القضية الفلسطينية والقضية الكردية على سبيل المثال. يحار المرء كيف يتسق سلوك الإدارة الأمريكية الحالية وهى تمنح كل صور التأييد والدعم والمؤازرة لرئيس الوزراء الإسرائيلى نيتانياهو المتهم بقضايا فساد وانتهاكات جسيمة للقانون الدولى لحقوق الإنسان، وهى الأفعال نفسها التى من أجلها صدر قانون ماجنتيسكى العابر الحدود. ولحظة كتابة هذه السطور كانت الأنباء تحمل موافقة مجلس النواب الأمريكى على قانون جديد بشأن ما تتعرض له أقلية الإيجور المسلمة فى إقليم تشينج يانج الصينى من محاولات طمس هويتها الدينية مع أن الوضع نفسه قائم منذ سنين طويلة وبصورة أكثر قسوة وعنفاً دون أن يحرك الكونجرس الأمريكى ساكناً. المشكلة أيضاً فى التوظيف السياسى لهذه التشريعات الأمريكية أنها تؤذن بمخاطر استخدام هذا التوجه الأمريكى المغلف برداء قانونى لمعاقبة وتهديد كل دولة لا تحظى بالرضاء الأمريكى، وفى العهد الحالى للإدارة الأمريكية فإنه لا بد أن تدفع المال أو تعقد صفقات السلاح لكى تظل بمنأى عن التنمر الأمريكى.
الوجه الآخر لخطورة التشريعات الأمريكية العابرة الحدود يثير ملاحظات وتساؤلات قانونية شتى. فالكونجرس الأمريكى بذلك ينصّب نفسه مجلساً تشريعياً عالمياً ويمنح القوانين الصادرة عنه سلطة نفاذ قانونى خارج الحدود الأمريكية على نحو ينتهك السيادة التشريعية الوطنية للدول ويدخل معها شريكاً فى الوظيفتين التشريعية والقضائية اللتين تحتكرهما أى دولة فى مواجهة مواطنيها المقيمين على أرضها. والكونجرس الأمريكى بذلك يشجع دولاً أخرى ويمنحها الفرصة والمبرر للاحتذاء به وإصدار قوانين مشابهة يمكن أن تطول ولو نظرياً على الأقل أفراداً وكيانات أمريكية، وما أسهل إيجاد الذرائع القانونية لمثل هذه القوانين. وليس ذلك من مصلحة أمريكا نفسها التى لا ينسى العالم أنها انسحبت من المحكمة الجنائية الدولية لخشيتها من الملاحقة القانونية عن العديد من الجرائم المشمولة بولاية المحكمة والمنسوبة إلى القوات الأمريكية فى أكثر من مكان بالعالم.
باختصار ما يفعله الكونجرس الأمريكى يؤذن بفوضى قانونية دولية ويخالف العديد من المبادئ والمسلّمات المتعارف عليها فى الأنظمة القانونية المعاصرة، ويعطى مثالاً لكلمة الحق التى يُراد بها باطل.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: