رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أفق للتعاون العلمى المصرى ـ الإفريقى

تشكل إفريقيا بالنسبة إلى مصر عمقاً جغرافياً وحضارياً؛ ولذلك فإن المصريين, شعبا وحكومة, يحرصون على النظر إلى العلاقات المصرية ـ الافريقية على أنها إحدى الدوائر الأساسية التى تشكل الانتماء الحضارى المصرى بجانب الدائرة العربية والدائرة الإسلامية. وتحرص مصر بشكل دائم على الحفاظ على علاقات متميزة واستراتيجية مع الدول والشعوب الإفريقية. وهى تعمل فى الوقت الراهن على تعميق هذه العلاقات، وعلى تحقيق مزيد من التعاون الذى يسهم فى دعم عمليات التنمية المستديمة فى القارة الإفريقية.

تمتد القارة الإفريقية على مساحة شاسعة من الأرض تشكل 30٫2 مليون كيلو متر مربع من الأرض المعمورة فى العالم. ويقطن على هذه الأرض نحو مليار وربع المليار نسمة، يتزايدون عاماً بعد عام، فإفريقيا تعتبر من أعلى الأماكن فى معدلات نمو السكان . وهى قارة شابة، حيث تصل نسبة السكان الأقل من 18 سنة نحو 41%. وتزخر القارة بثروات طبيعية عديدة فى المجال التعدينى والمجال الزراعى. ومع ذلك فلا تزال القارة تعانى انخفاض مؤشرات التنمية. لقد جثم الاستعمار على قلب هذه القارة البكر لسنوات طويلة، ونهب ثرواتها، وسخر أهلها لخدمة أغراضه، ونقل جزءًا من سكانها بأشكال مختلفة من التجارة والقسر ليستعان بهم كعبيد فى المزارع والمصانع الأمريكية. ولقد تحررت القارة من الاستعمار، وبدأت الدول الوطنية المختلفة فى القارة والتى بلغ عددها 54 دولة تنطلق نحو بناء مجتمعات ناهضة، ونجحت فى أن تؤسس الاتحاد الإفريقى لخلق أشكال من الشراكة والتعاون بين شعوب القارة. ومع ذلك فإن القارة لاتزال تعانى مشكلات عديدة، ولاتزال تحتاج إلى مزيد من تحقيق الاستقلال الذاتى لشعوبها، لكى تتجاوز عدداً كبيراً من فجوات التنمية، التى تتمثل فى الزيادة المطردة فى أعداد الشباب الصغار السن، وانتشار نوعية معينة من الأمراض مثل الملاريا والحصبة والسل والبلهارسيا ومرض نقص المناعة المكتسبة، وارتفاع معدلات الفقر، وانخفاض معدلات التمدرس بالنسبة للأطفال، ونقص عدد الجامعات بالنسبة للسكان( فلا توجد بالقارة إلا 740 جامعة تخدم مليارا وربعا من السكان، فى حين أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك 5300 جامعة تخدم 323 مليون نسمة). ولاتزال الجامعات الإفريقية جامعات تقليدية تركز على الكم دون الكيف، كما أنها تهتم بالعمليات التدريسية أكثر من اهتمامها بالعمليات البحثية وغالباً ما تنشأ المراكز البحثية بمساعدات أجنبية أو بدعم من المنظمات الدولية.

لاشك أن التعليم والبحث العلمى يشكلان القاعدة التى تبنى عليها التنمية، ولذلك فإن الاستثمار فى كليهما يؤدى إلى تفتح المجتمع على اقتصاد المعرفة، ومن ثم القدرة على مواكبة العصر بما يفرضه من تحديات. ولقد كانت مصر حريصة على أن تمد جسور التعاون عبر الدوائر المختلفة التى تشكل إطارها الحضارى والثقافى، ومنها الدائرة الافريقية. ولقد كان التعاون المصرى الافريقى فى مجال التعليم أحد المكونات الرئيسية فى العلاقات المصرية ـ الإفريقية. وفى ضوء ما أشرنا إليه من تحديات فى مجالات التنمية بعامة، وفى مجال التعليم والبحث العلمى بخاصة، فإننا اليوم أحوج ما نكون إلى تحويل هذا التعاون إلى شراكة حقيقية، تتجاوز الشعارات والخطابات، وتتحول يوماً بعد يوم إلى سياسات واقعية ترى النور على أرض الواقع.

ويمكن لهذه الشراكة أن تتأسس على الاستراتيجية التى أطلقها الاتحاد الافريقى بعنوان استراتيجية العلم والتكنولوجيا والابتكار (التجديد) حتى عام 2024. تلك الاستراتيجية التى اكتملت بإصدار خريطة طريق لتحقيق أهداف القارة فى هذا الصدد حتى عام 2063. وتشدد هذه الخريطة على تطوير التعليم، وتطوير تطبيقات العلم والتكنولوجيا فى التنمية. وفى إطار هذه الاستراتيجية، يمكن لمصر أن تدعو إلى إنشاء صندوق إفريقى لدعم البحث والتطوير والابتكار فى مجال العلم والتكنولوجيا. ويتوقع أن يتأسس هذا الصندوق بمبادرة مصرية، وتمويل مصرى قوى تضاف إليه مساهمات تمويلية من الدول الأعضاء فى الصندوق.

ويمكن أن يفتح هذا المجال لعمل شراكات بين الجامعات المصرية والجامعات الافريقية لمنح درجات مشتركة فى المستويات التعليمية المختلفة؛ خاصة بين الجامعات من الجيل الثالث والرابع والتى يطلق عليها جامعات الابتكار، وهى الجامعات التى تؤسس على التعليم والبحث العلمى المرتبط بالتطوير التقنى وخدمة المجتمع، فى إطار مفهوم واضح ومحدد للبحث والتطوير فى مجالات محددة (الزراعة والصناعة والصحة والخدمات والبيئة). يمكن تحقيق ذلك من خلال الجامعات الجديدة، أو تطوير الجامعات القائمة بالفعل لتتحول إلى جامعات ابتكار. ويمكن ذلك من استضافة علماء وخبراء أفارقة فى المجالات المختلفة لإلقاء محاضرات أو تقديم استشارات علمية.

ولاشك أن مبادرة جادة لاستضافة الطلاب الأفارقة فى الجامعات المصرية يمكن أن تتوج هذه الشراكة. وأقترح هنا مبادرة يطلق عليها مبادرة المنح الرئاسية للطلاب الأفارقة وتهدف هذه المبادرة إلى إلحاق أكبر عدد من الطلبة الأفارقة بالجامعات المصرية، ويمكن تقدير عدد هؤلاء الطلاب كل عام بنحو 400 طالب للدراسة فى كليات الجامعة المختلفة فى مختلف الجامعات المصرية. ويجب تخصيص ميزانية لهذه المبادرة من ميزانية الجامعات أو من صناديقها الخاصة؛ بحيث تقدم كل جامعة سنوياً منحاً لنحو (10) طلاب أفارقة، على أن تشملهم بالرعاية من ناحية السكن مع تقديم راتب رمزى شهرى لكل طالب. وتمنح المنح بناء على مسابقة يعلن عنها فى شهر يناير ويتم التقدم من قبل السفارات أو المكاتب الثقافية الافريقية أو حتى الأفراد، وتعلن نتيجة المسابقة فى شهر مايو من كل عام، ويتم استقبال الطلاب فى شهر يوليو، مع استضافتهم فى معهد إعداد القادة بحلوان أو فى الأكاديمية الوطنية للشباب لمدة شهر أغسطس، على أن يلتحقوا بجامعتهم فى أول شهر سبتمبر من كل عام. ومن شأن هذه المبادرة أن تعمق العلاقة بين الشعوب الافريقية، وتحول الحديث عن القوة الناعمة إلى واقع فعلى، وتخلق على المدى الطويل علاقات بين الشعوب الافريقية والنظم السياسية الافريقية تقوم على الثقة والاستمرارية. والأمل معقود على ان تتحول هذه المبادرة الى مبادرة لكل شباب العالم لكى تستمر مصر رائدة فى تحقيق السلام العالمى.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: