كانت العبارة الأخيرة فى مقالة الأسبوع الماضى على لسان لى كوان يو أن الديمقراطية عملية ارتقاء داروينى اجتماعى عبارةً مثيرة للجدل لا يجب أخذها كما لو أنها قانون لفيثاغورس أو نيوتن، لكنها مع ذلك تطرح بشدة مسألة تفسير نجاح حكام أقوياء فى استنهاض وتحديث بلدانهم والبقاء فى الحكم فترة طويلة من الزمن تتجاوز ما ألفته الديمقراطيات الحديثة. والواقع أن النجاح المبهر لنماذج النهوض والتقدم فى سنغافورة وبعض بلدان شرق آسيا لم يكن لصفات شخصية خارقة لدى حكامها ولكن لأن هؤلاء الحكام استطاعوا وبإرادة وصلابة ورشد أن ينظموا ويقودوا مجتمعاتهم ويحسنوا توظيف طاقاتها. هذا يعنى أن الحاكم القوى العادل إنما يصبح كذلك بقدر قوته وعدله فى النهوض بمجتمعه بحيث يصبح الأخير هو صانع التقدم. فالجموع والملايين هى التى تزرع وتبنى وتنتج وتخترع وتصنع وتصدّر، أما النخب الحاكمة فتضع الوصفات الصحيحة وتؤهل الأفراد وتحفّزهم لتحقيقها.
يقول لى كوان يو: كنت أعتقد فى البداية أن الثروة تعتمد بالدرجة الأولى على امتلاك الأراضى والموارد الطبيعية مثل المعادن والنفط والغاز، ولم أعرف إلا بعد أن استلمت السلطة فى سنغافورة أن حسن الأداء يتفاوت بدرجة كبيرة بحسب قدرات الناس أنفسهم، وبعد أن جربت عدداً من السبل لتقليص عدم المساواة فشلت وبدأت أستخلص بالتدريج أن العوامل الحاسمة هى الناس وقدراتهم وخبراتهم وثقافتهم. الدرس الذى يمكن استخلاصه من كلام كوان يو أن سنغافورة نهضت وتقدّمت حين أُتيح للمواطنين تعليم جيد وتدريب مستمر فزادت قدراتهم وخبراتهم. كان كوان يو متأثراً بالمعايير الثلاثة لشركة شل البريطانية الهولندية فى اختياره كبار المسئولين والمديرين التنفيذيين فى الدولة. كانت المعايير هى القدرة على الابتكار، ومعرفة الواقع، والقدرة على تحليل المشكلات فى سياقها الأوسع ثم التركيز على التفاصيل الحاسمة. واجه كوان يو فى الحقبة الأخيرة من حكمه ما اعتبره مشكلة التقدم فى العمر لدى العديد من الوزراء وكبار المسئولين. حاول أن يضخ دماء جديدة فى الجهاز الإدارى للدولة لكن البعض اعتبر أن الأمر يتم بسرعة ويحبط معنوياتهم. يقول كوان يو: لم أوافق على تذمرهم فالعمر يتقدم بنا جميعاً، وآثار الزمن بادية علينا، أحد الوزراء كان يضع مدفأة كهربائية تحت الطاولة يدفئ بها قدميه أثناء اجتماعاتنا. أنا نفسي, يقول كوان يو, كنت أشعر بالتقدم بالعمر حين أنظر إلى المرآة (كان قد تجاوز الثمانين)، لم أعد أشعر بذات الحماس المتقد والولع واللهفة للتعرف على الأشياء ومشاهدتها بنفسى، أصبحت أكثر اعتماداً على التقارير والصور وأشرطة الفيديو.
كان مفتاح تقدم سنغافورة هو المزيد من التعلم والتدريب حتى للوزراء أنفسهم، فقد اختار كوان يو عدداً من الوزراء لكنهم كانوا يفتقرون إلى بعض المهارات فنصح بعضهم بتلقى الدروس، لدرجة أنه جاء بأحد الخبراء لتعليم بعض الوزراء كيف يتحدثون ويعبرون عن أفكارهم بأسلوب أفضل. ويبدو أن كوان يو كان يعتبر نفسه صاحب قضية وحلم نهضوى بأكثر من كونه مجرد رئيس للوزراء ظل فى الحكم ثلاثة عقود، فهو يذكر بكثير من التقدير رفاق قضيته الذين أسسوا معه حزب العمل الشعبى عام 1954. يقول: كان من حسن حظى أن يؤازرنى فريق من الوزراء الأقوياء أصحاب رؤية مشتركة. لم يكن ثمة ما يمنعهم من إبلاغى برأيهم، خصوصاً عندما أكون مخطئا. ساعدونى على البقاء موضوعياً ومتوازناً وأنقذونى من خطر الشعور بالعظمة. حين بدأنا لم نكن نعرف الكثير عن كيفية الحكم أو حل مشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية العديدة، لم نكن نملك سوى رغبة ملهوفة لتغيير مجتمع غابت عنه العدالة والمساواة وتوجيهه نحو الأفضل.
يشرح كوان يو نجاح نموذج سنغافورة بتلخيص مدهش لا يتجاوز سطرين بأنه الاهتمام بالعمال وتدريبهم وكسبهم إلى صفنا، والاهتمام بحاجات المستثمرين فى ذات الوقت. فهو يرى متأثراً بتجربة اليابان أن عمالاً متدربين جيداً وبشكل مستمر ويتحلون بقيم الاجتهاد والانضباط والاتقان هو الذى يزيد من إنتاجية وصادرات دولة صغيرة لا تملك شيئاً من الموارد الطبيعية. أما المستثمرون فهو يعتبر أن الاهتمام بهم وتشجيعهم أمر ضرورى للحصول على رءوس الأموال، والمعرفة، والتكنولوجيا، والمهارات الإدارية، والأسواق الخارجية. تعلمنا بسرعة ونحن فى السلطة- يقول كوان يو- أنه إذا كانت هناك صيغة واحدة لنجاحنا فهى الدراسة المستمرة لكيفية جعل الأمور تسير بشكل أفضل، لم أكن أبداً حبيس أى نظرية، اهتديت دوماً بنور العقل والواقع. الاختبار الصعب الذى طبقته على كل نظرية أو خطة هو: هل تعمل بنجاح على أرض الواقع أم لا؟ لم أُلدغ أبداً من جحر مرتين تقريباً. حاولت التعلم من الأخطاء التى ارتكبها الآخرون. لقد فضّلت على الدوام الاستفادة من تجارب وخبرات الدول التى سبقتنا فى مختلف المجالات.
ربما تبدو سنغافورة لدى البعض جزيرة صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها 6 ملايين نسمة، وبالتالى فالدروس المستخلصة من تجربتها الناجحة قد لا تعنى الكثير بالنسبة لبلد ضخم مثل مصر ينوء بمائة مليون نسمة. والواقع أن العبرة ليست بعدد السكان، لأن مشكلات أى مجتمع بشرى واحدة، ووسائل النهوض والتقدم واحدة أيضاً. يستعير كوان يو المثل الصينى المأثور أن السنونو طائر صغير لكنه يملك الحواس الخمس جميعاً. صحيح أن سنغافورة دولة صغيرة الحجم إلا أن حاجاتها مماثلة لحاجات الدول الكبيرة على الصعيدين المحلى والدولى، ومع ذلك فإن كوان يو لا يخفى قلقه وهو يتساءل ما الذى يخبئه المستقبل لسنغافورة؟ ثم يجيب فى شفافية وصراحة وربما خوف أيضاً الدول/المدن لا تملك سجلاً تاريخياً فى القدرة على البقاء طويلاً، فالدول/ المدن الإغريقية مثلاً وغيرها لم تعد موجودة اليوم، معظمها اختفى من الخريطة أو تم احتلاله أو تفرق شمل أهله أو اندمج مع كيانات أخرى أكبر حجماً.
لكم نحتاج فى مصر لأن نتذكر أننا محظوظون تاريخياً كدولة/ أمة وليس كدولة/ مدينة، نحظى بجغرافيا طبيعية وسياسية وبشرية غنية بالإمكانات والفرص والموارد. قدمت سنغافورة وبلدان شرق آسيا وصفات نهضوية اعتمدت على التنمية الشاملة والحكم الرشيد واستنهاض طاقات المجتمع وقدراته بالتعليم الجيد والتدريب المستمر. ثبت إذن أن هناك وصفات للتقدم، ناجعة وآمنة وذكية فى ترتيب أولوياتها بخلاف النماذج الديمقراطية الليبرالية التقليدية. وصفات ضمنت (ولو مؤقتاً) نجاح مرحلة التحول من العالم الثالث إلى العالم الأول، وقد كانت العبارة الأخيرة جزءاً من عنوان كتاب لى كوان يو.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: