الهوية.. المواطنة.. التنوع مفاهيم ثلاثة متشابكة، يصعب الفصل بينها، ويجد المرء نفسه يتناولها جميعها عندما يختص بالحديث عن أحدها. الهوية الوطنية عنوان الانتماء للوطن، والمواطنة الصيغة التعاقدية لهذا الانتماء بين وطن ومواطن، والتعددية هى أساس العيش المشترك فى مجتمع يسوده التنوع، وتستوعبه الهوية الوطنية، وتستند إليها المواطنة. حول هذه المفاهيم الثلاثة تحدثت فى لقاء نظمه أخيرا منتدى حوار الثقافات بالهيئة القبطية الانجيلية تحت عنوان: المواطنة وبناء مجتمع التسامح فى مواجهة خطاب الكراهية. وشارك فيه عدد كبير من رجال السياسة والاكاديميين، والإعلاميين، وعلماء الدين الإسلامى، وقيادات دينية من الكنائس المصرية.
هناك مدارس عديدة فى تناول موضوع الهوية الوطنية. المدرسة الأولى ترى فى التطرف، وخطابات الكراهية، والحض على العنف خطرا على الهوية الوطنية، وهو بالفعل كذلك، ويوصى أنصارها, وهم من المثقفين الذين تشغلهم المسألة الوطنية, بالمواجهة عن طريق التعليم والإعلام والثقافة. وتعتبرالمدرسة الثانية أن العولمة تحمل تحديات جمة على الهوية الوطنية، سواء من حيث فرض أنماط تفكير مستوردة، وأذواق استهلاكية غريبة، وطرائق حياة تشكل خروجا على الموروث الحضارى والإنسانى، حتى مع تسليمنا بأن الهوية ديناميكية وليست ثابتة. وعادة ما يرفع أنصار هذه المدرسة, وهم خليط من القوميين والتيارات الدينية والمناهضين للعولمة- لواء الاعتصام بالموروث من تقاليد وعادات، ونقد الثقافة الوافدة التى تخرب البناء الثقافى للمجتمع. وتذهب مدرسة ثالثة، وعمادها من اليسار الرافضين للرأسمالية, إلى بحث التحولات الاجتماعية، وما يرتبط بها من تفاوتات طبقية، تحمل نذر انقسام وتبعثر فى تماسك المجتمع، الأمثلة على ذلك كثيرة منها العشوائيات فى مواجهة المنتجعات، والفقر، واختلاف أنظمة التعليم ما بين أجنبى ومحلى، دينى ومدنى، الخ، مما له أثر سلبى فى تشكيل الوعى الوطنى للأفراد.
تعدد زوايا النظر إلى هذا الموضوع صحيح، ولا يستطيع مثقف أن ينكر أثر التطرف أو العولمة أو التفاوت الطبقى على الهوية الوطنية، ولكن ينبغى أن ندرك أيضا أن مفهوم الهوية شأنه شأن مفاهيم التعددية، والمواطنة، والتسامح لا يتحقق إلا فى سياق من المشاركة فى التنمية، يخلص المفاهيم من طابعها النظرى المجرد، ويجعل منها ممارسة حياتية يتعلم منها المواطن سبل المساهمة فى تطوير مجتمعه، لأنه ما أيسر أن نتحدث عن المفاهيم دون أن نمارسها، ولدينا تجربة طويلة فى هذا الخصوص إلى حد أن بعض المفاهيم النبيلة فقدت معناها فى أذهان الناس لكثرة الحديث عنها دون ممارستها على أرض الواقع.
وتشير التجربة إلى أن مبادرات التنمية توفر فرصة أمام المواطنين لممارسة مواطنتهم فى سياق من التعددية، يجددون من خلاله هويتهم الوطنية، بل ويحيطونها بأبعاد إنسانية نتيجة خبرة التفاعل المباشر بينهم. فى دول عديدة فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية - أى تحمل بعضا من سمات المجتمع المصري- يلتقى المواطنون المتنوعون سياسيا ودينيا وثقافيا واجتماعيا, فى مشروعات تنموية مشتركة على المستوى المحلى، عبر سلسلة طويلة من العمل تبدأ بتحديد الاحتياجات، تليها المساهمة فى التنفيذ، وتقييم العمل، وينظرون إلى المصلحة العامة، بوصفها الإطار الذى يجمعهم، ويهذب مصالحهم الخاصة، ويوجد القواسم المشتركة بينهم، ويوفر شبكة أمان اجتماعى يلوذون بها فى حالات الضرورة ونشوب الخلافات، ويمكنهم من تعلم ثقافة الحوار، وإدارة التنوع.
المواطنة دون مشاركة لافتة قانونية، والتنمية دون مشاركة صيغة فوقية، والمشاركة دون تنوع فى الآراء لا تعدو سوى أن تكون مزايدة على الرأى الواحد. إذا تحققت التنمية على المستوى المحلى من خلال مشاركة الناس سوف يتحقق ما نسميه التسامح، حيث يتعلم الناس خبرة قبول الآخر. هذا هو التعريف الحقيقى للهوية الوطنية، التى تحمل الهم التنموى، وتستوعب التنوع، وتحتفل بالمشاركة. المسألة ليست شعارات أو صياغات نظرية، أو خطابات حماسية، بقدر ما هى تغيير إلى الأفضل. ويظل المعيار الحقيقى للهوية الوطنية هو الاسهام فى الخير العام. المواطن الذى يحمل هذه الصفة بحكم القانون، بينما يلوث البيئة أو يخرب الممتلكات العامة أو يتهرب من الضرائب أو يمارس تمييزا ضد الآخرين أو يشيع الكراهية أبعد ما يكون عن الهوية الوطنية حتى لو ادعى امتلاكها، والذوبان فيها. أما المواطن الذى يشارك غيره فى تنمية المجتمع، وتطوير نوعية الحياة، هو المواطن الحقيقى، والحافظ لهويته الوطنية. ولكن حتى تكون هناك مبادرات تنموية يشارك فيها المواطنون على المستوى المحلى يتعين أن ينص على ذلك صراحة فى القانون، أسوة بما يحدث فى دول أخرى، بحيث يكون من حق المواطن أن يشارك فى تحديد الميزانية، واقتراح الخطط العامة، والمساهمة فى التطبيق، وتقييم المشروعات، والرقابة الشعبية على الجهات الإدارية التى تعنى بالتنفيذ. هذا هو المعنى الحقيقى للهوية الوطنية إذا جردناه من هالته النظرية، وطبقناه على أرض الواقع.
لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى رابط دائم: