رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قصةُ سنغافورة وسؤالُ دور الفرد فى التاريخ (2-3)

فى مقالة الأسبوع الماضى كان هناك سؤال دقيق ومربك تطرحه قصص بدايات النهضة فى سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية والصين وهو ما إذا كان وجود حاكم قوى عادل صاحب رؤية يمكن أن يحقّق لبلده نموذجاً للنهضة والتقدم من خارج منظومة الآليات والقيم الديمقراطية الغربية؟ أم أن الأمر مرجعه الظروف التاريخية والثقافية فى بلدان شرق آسيا وما يتسم به أهلها من انضباط وجماعية وشعور بالانتماء؟ أم أن ما يمكن تسميته بالاستثناء الآسيوى فى حالة كوان يو فى سنغافورة، والماليزى مهاتير محمد والكورى بارك تشونج والصينى دنج هسياو بنج هو من قبيل الاستثناء الذى يؤكد القاعدة وأن الأمر مآله انتصار الديمقراطية الليبرالية التى اعتبرها فوكوياما نهاية التاريخ؟ فى محاولة الإجابة ثمة حقيقة مؤكدة وآراء نسبية. المؤكد هو أن وجود هؤلاء الحكام الفرديين الأقوياء كان عاملاً حاسما فى تحقيق هذه النهضات الآسيوية، أما الآراء النسبية القابلة للاختلاف فتتعلق بتقييم الأساليب التى استخدمها هؤلاء الحكام فى مسيرة حكمهم.

حينما نقرأ مذكرات مؤسس سنغافورة الحديثة (منشورات العبيكان-ترجمة هشام الدجاني) ونتأمل شخصية الرجل نكتشف أنه برغم ما تمتع به من قوة وإرادة وانضباط ورؤية شديدة الوضوح لمشكلات بلده فلا يمكن اختصار قصة تقدم وازدهار سنغافورة كلها فى شخصيته وحده واضفاء صفات الحاكم الملهم المعجزة عليه، لكن نجاح كوان يو كان فى الواقع نجاحه فى توظيف قوى المجتمع وقدرات أفراده. فهو يقول: مع الوقت تأكد لى أن ما يحتاج إليه أى بلد هو أكثر من مجرد أفراد أكفاء فخورين بأنفسهم (يقصد هنا شريحة النخبة) لكى تتغيّر الأمور. الشعب كله يجب أن يسعى إلى العمل والنضال واحترام الذات، ومهمة الزعماء هى أن يوفروا للمواطنين إطارا واسعا يتعلمون منه، ويعملون بدأب، وأن يكونوا منتجين، ويكافأوا بحسب عملهم. والواقع أن تحليل كوان يو هنا لا يقتصر على حالة بلده سنغافورة بل يشمل حالات التقدم الآسيوى الأخرى وأهمها اليابان التى يبدو أنه كان متأثرا بها بشدة فلم يخف فى كتابه إعجابه الدفين بالشخصية اليابانية. يقول فى معرض إعجابه بالنموذج اليابانى: المعجزة اليابانية لم تتحقق نتيجة عمل قلة متربعة على القمة (يعود مرة أخرى ليقلّل من دور النخبة) فالشعب اليابانى كله أثبت بعزم وتصميم قدرته على النجاح، وسعى بجهد دءوب للتفوق على كل المستويات. لدى الفرد اليابانى شعور عميق بالولاء والانتماء إلى وطنه، ولديه أيضا شعور بالفخر تجاه وظيفته حتى ولو كان مجرد نادل أو خادم.

كوان يو رجلُ يراهن إذن على الجموع والشعب فى صناعة التقدم، ولهذا نراه يكرّر الحديث فى كتابه عن أهمية التعليم والتدريب المستمر للعمال وموظفى الدولة، ولهذا أيضا ليس غريبا أن تكون نسبة الأمية فى سنغافورة 3.2% فقط وهى من أفضل النسب مقارنة بالدول الآسيوية الأخرى. قيم التقدم لديه تعنى العمل الجماعى، والانضباط، والتقشف. وهنا يعود مرة أخرى ليكشف عن ولعه الكبير بالشخصية اليابانية فى الأخذ بهذه القيم، وهو يقول يمكن للصينى أن يضاهى اليابانى فى لعبة فردية كالشطرنج لكن يصعب التغلب على اليابانيين كمجموعة خصوصا كفريق إنتاج فى مصنع. حين طلب من مدير إحدى الشركات الكبرى فى أثناء زيارته اليابان أن يعقد مقارنةً (وهو متيّم بالمقارنات) بين العمال السنغافوريين ونظرائهم فى اليابان الذين يعملون على آلات مماثلة كانت إجابته نسبة إنتاجية العامل السنغافورى تبلغ 70% من إنتاجية نظيره اليابانى. أما الأسباب فخلاصتها أن العمال اليابانيين متفوقون فى المهارات الحرفية ويصنعون منتجات بلا أخطاء أو عيوب تقريباً، وأقل تنقلا من وظيفة لأخرى، وأقل تغيبا عن العمل، ومقتنعون بضرورة التعلم والتدريب مدى الحياة، أما رؤساء فرق العمل والمشرفون فهم على أتم الاستعداد دائما للعمل بأيديهم. وفاجأه مدير الشركة اليابانية بأن قال له بأن العمال السنغافوريين يحتاجون إلى 15 عاما للحاق بنظرائهم اليابانيين ولن يتمكنوا أبداً من مجاراتهم بنسبة 100%، وقدم لذلك تفسيرين الأول: أن العامل اليابانى اعتاد أن يحل محل زميله حين تضطره الظروف لترك العمل ويركز كل تفكيره على عمله فقط، والثانى أن النظام اليابانى لا يعرف الانقسام بين العمال العاديين وكادر المسئولين بخلاف نظام العمل فى سنغافورة المتأثر بالنمط الإنجليزى. يقول كوان يو تأكدت من هذا حين زرت يوما حوضا لبناء السفن فى اليابان فرأيت نائب الرئيس دكتور شينتو ينتعل حذاء مطاطيا ويرتدى مثل باقى العمال نفس الزى الموحّد للشركة.

هكذا يبدو أن سر الإنجاز الذى حققه مؤسس سنغافورة لا يكمن فقط فى قوته كحاكم فرد صاحب رؤية واضحة، ولا أيضاً نجاحه فى تنمية قدرات شعبه متعدد الأعراق واللغات، ولكن السر يتمثل أيضاً فى أن الرجل قدّم قيما ناجعة بديلة عن القيم التقليدية للديمقراطية الغربية وعلى رأسها كما يكرّر دائما الانضباط والتقشف والعمل الجماعى ومراقبة الأداء الحكومى ومكافحة الفساد. هذه القيم ذاتها التى يرى أنه بفضلها استطاع الجنرال بارك تشونج أن يؤسس نهضة كوريا الجنوبية، فيقول عن الحاكم الكورى القوى إنه عمل بدأب وحماسة على حماية السوق المحلية، وفرض الانضباط والتقشف وزيادة الصادرات، كما شجع بل أجبر الكوريين على الادخار وحرمهم من وسائل الرفاهية والكماليات مثل أجهزة التليفزيون الملوّن التى كانوا يصدرونها باطراد، ولولا بارك تشونج (يقول كوان يو) لما أصبحت كوريا الجنوبية دولة صناعية أبدا. وحينما أصبح المعارض كيم داى جونج رئيسا لكوريا الجنوبية فى 1997 تبلوّر نهجان سياسيان فى هذه المنطقة من شرق آسيا. نهج كيم جونج المؤمن بالتطبيق العالمى للديمقراطية وحقوق الإنسان ونهج كوان يو الذى يعتبر أن التاريخ والثقافة يفرزان معايير متباينة للحكم ومواقف مختلفة للشعوب. وحينما كتب الديمقراطى الكورى كيم جونج مقالة فى مجلة فورين أفيرز الأمريكية يدافع فيها عن وجهة نظره رفض السنغافورى كوان يو دعوة رئيس تحريرها فريد زكريا للرد عليه بمقالة قائلا فى مذكراته اخترت ألا أرد على كيم جونج إذ لا يمكن للاختلافات فى آرائنا أن تُحل عبر الجدل ومقارعة الحجج بل سيحلها التاريخ والطريقة التى ستتطوّرعبرها الأحداث فى السنوات الخمسين المقبلة. وسيتطلب الأمر أكثر من جيل واحد لكى تظهر تأثيرات المضامين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكامنة خلف السياسات المتبعة. ثم يخلص قائلا ًفى عبارة مدوّية «إنها عملية ارتقاء داروينى اجتماعى» ويا لها من عبارة!!


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: