فى يوم 14 يوليو عام 1930 استقبل العالم الشهير أينشتاين فى بيته فى إحدى ضواحى برلين شاعر الهند العظيم طاغور، ويومها دارت مناظرة بين القطبين العالميين حول مستقبل الإنسانية فى ظل ما يتعرض له العالم من الكوارث والأزمات، ويومها قال طاغور لأينشتاين مقولته الشهيرة أن الغرب سوف يخسر كل شيء إذا تخلى عن روحانياته من أجل هذه الماديات المتوحشة.. لم يقتنع أينشتاين بوجهة نظر طاغور لأنه كان يعتقد أن الماديات هى مستقبل البشرية وأن العلاقة بين العلم والدين قد حسمت لصالح العلم.. لم تمض سنوات بعد هذا اللقاء التاريخى إلا وقامت الحرب العالمية الثانية ودمرت أوروبا كلها وتركتها أنقاضا ومات أكثر من 60 مليون إنسان ما بين عامى 1939و1945 وبقيت القضية تحرك الأجيال جيلا بعد جيل، خاصة أن قمة الماديات التى أشار إليها طاغور كان تدمير اليابان بالقنبلة الذرية معجزة العصر ومأساة البشرية.. وحين زرت الهند فى منتصف السبعينيات حرصت أن أشاهد كل ما بقى من آثار طاغور ابتداء بجامعته دار السلام فى كلكتا وجلساته على نهر الجانج المقدس ومكتبته وبيته والمكان الذى احرقوا فيه جسده طبقاً للتعاليم الهندية.. وقبل هذا جائزة نوبل و كان أول من حصل عليها فى الشرق عام 1913.
> دارت هذه الصور فى خيالى وأنا أشاهد صورتين من صور الموت على مواقع النت وهما تعكسان ما وصل إليه العالم من الدمار النفسى والأخلاقي، كانت الصورة الأولى للإرهابيين من داعش وهم يقطعون رءوس الناس بالسيوف فى مشهد وحشى رهيب يعكس حالة الهمجية والتوحش التى وصل إليها فكر الإرهاب وهو قمة فى التخلف والجهل والضلال.. كانت الصورة الثانية طائرة بلا طيار لا يراها أحد وهى تحصد عشرات الرءوس ولا تخطيء أحدا وهى تطلق قذائفها السريعة على مسافات بعيدة.. إن الهدف واحد وان اختلفت الأساليب والأفكار والرؤي، هذا يقتل بفكر جاهلى متخلف وهذا يقتل بأسلوب عصرى متحضر وكلاهما قاتل..
> أعود إلى ما قاله طاغور لأينشتاين من عشرات السنين أن الحضارة الإنسانية سوف تخسر كل شيء بدون الروحانيات ولعل هذا ما نراه اليوم..
> لقد تصور العالم بعد الدمار الذى لحق بالبشرية فى الحرب العالمية الثانية أن الصراع القادم سوف يكون صراعا حضاريا مترفعا عن الأطماع والمؤامرات والدسائس وان مستقبل البشرية مع العلم سوف يكون وسيلة لحياة أفضل للشعوب الفقيرة وان أوروبا التى دمرتها الحرب سوف تعود مرة أخرى قوة حضارية صاحبة دور ورسالة.. وتصورت الدول النامية وهى تخرج من سجون الاستعمار وما خلفه فيها من الجهل والأمراض والتخلف أن العالم المتقدم لن يبخل عليها بما لديه من وسائل الحياة الكريمة والرفاهية والحرية وحقوق الإنسان.. ولكن للأسف الشديد عاد الاستعمار بوجه آخر يدبر الفتن بين هذه الشعوب وعادت لعصورها القديمة ما بين الحروب الأهلية والانقسامات العرقية ووجد الاستعمار فرصته أن يعود محتلا فى ثياب أخرى من التبعية فى ظل نظم مستبدة شارك فى صنعها وحمايتها.. لم يعد الصراع الحضارى حضاريا بل أصبح صراعاً دمويا وان اختلفت وسائل الموت إلا أن الهدف واحد وهو القتل.. وكان الفارق كبيرا بين صراع من أجل التقدم وصراع استخدم أسوأ أساليب الدمار لتحقيق أهداف ومشروعات توسعية مشبوهة. إن الصراع اليوم لم يعد من أجل الحياة ولكنه صراع الموت من يملك الحق والشرعية فى القضاء على الأخر.. والشواهد أمامنا كثيرة..
> إذا كان هناك فصيل يقطع الرءوس بالسيوف وهو يستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا فى التواصل وخلفه فكر مريض متخلف فإن هناك طائرة بلا طيار لا يراها أحد تقتل وتدمر وتحصد الرءوس بصورة عشوائية تتنافى مع كل الأعراف الإنسانية.. ولنا أن نتصور هذه الطائرة وهى تتسلل إلى سماء أى عاصمة فى هذا الكون وتقتل الآلاف دون أن يراها احد... إن هذه الطائرة تلغى كل المسافات وكل أساليب الرقابة وتملك الفضاء الفسيح ولا يراها أحد، إنها أحدث وسيلة قدمها العلم للقتل بلا مقدمات إن العالم لم يعد فى حاجة إلى الأسلحة التقليدية بما فيها الطائرات والدبابات والجيوش البرية لأن هذه الطائرة وما سيحدث فيها من تحديث وتطوير سوف تغير كل الحسابات فى الجيوش التقليدية إنها تقتل دون أن يكون فيها خسائر وهى تدار من آلاف الكيلومترات، ولعل هذا هو الشبح الذى حذر منه طاغور شاعر الهند. إن الحضارة إذا فقدت روحها خسرت كل شيء.. إن هذا المستقبل الغامض بأحدث ما وصل إليه سوف يقتل بلا ضمير أو رقيب أو حساب.. أنه القتل العشوائى فليس من الضرورى أن يعرف القاتل إلى من يوجه سهامه.. ولم تعد المواجهة فارس أمام فارس وهذه قمة المأساة..
> أصبح المطلوب الآن من تلك الدول التى دفعت المليارات لشراء صفقات السلاح أن تعيد النظر فيما تملك.. إن أجهزة الرادار التقليدية لم تعد تفيد أمام طائرة تسبح فى السماء بلا طيار وتتلقى أوامرها بالقتل من مسافات بعيدة، والشيء المؤكد أن القوات الأجنبية سواء كانت أمريكية أو أوروبية قد جربت أنواعا كثيرة من أسلحتها الحديثة فى المدن العربية التى دمرتها، لقد استخدمت هذه الأسلحة فى قتل الملايين فى سوريا والعراق واليمن وليبيا وغزة وعلى العرب أن ينتظروا الجديد من أدوات الموت فى أسلحة لا يراها ولم يسمع عنها أحد، إن أسراب الطائرات التى تنتشر فى أكثر من مكان ليس لها محل من الإعراب أمام طائرة الأطفال الصغيرة التى تحولت فجأة إلى سفينة فضائية متنقلة فى مواكب حضارة الموت..
> تخيلت البشرية أن الصراع القادم سوف يكون من أجل رفاهية الإنسان وحياة البشر بعد أن أرهقتها الحروب والدمار والقتل، وكان الاستعمار قد أخذ أشياءه ورحل وحتى الصراعات الإقليمية المحدودة فى آثارها كان الطريق أمامها ممهدا من أجل منافسة مشروعة وصراع حضارى هدفه التقدم والبناء.. ولكن بدأ الصراع أيديولوجيا ما بين القوى الكبرى وانقسم العالم إلى قطبين ورغم التفوق العسكرى كان هناك حرص على أن تظل الأفكار والمنافسات وتضارب المصالح فى نطاق لم يصل إلى الحروب والمعارك ولكن السنوات الأخيرة شهدت تحولا خطيرا فقد انفردت أمريكا بدور القوة العظمى الوحيدة وكان العالم ينتظر أن تدار شئونه بقدر من الحكمة والعدل ولكن هذه الأحلام تلاشت أمام التقدم العلمى الذى جعل الموت هدفا والدمار وسيلة لتركيع الشعوب..
> إننى أحيانا أتعجب وأتساءل لماذا لم يجرب الغرب أسلحته الحديثة إلا فى الشعوب العربية هل لأن دماء العرب رخيصة أم لأن المصالح أفسدت كل شيء أم أن الذى تهون عليه نفسه تكون على الناس أهون.. لماذا لم يجرب العالم المتقدم أسلحته الحديثة كما جربها يوما فى دمار برلين أو باريس أو طوكيو فى الحرب العالمية الثانية.. هناك سباق على القتل فى بلادنا ما بين وحوش خرجت من جحورها تذبح البشر وتكفر الناس وما بين أسلحة حديثة تقتل الأبرياء وتدمر الأوطان..
> كنا فى يوم من الأيام نحلم بأننا أمام صراع حضارى ومنافسة إنسانية سعيا وراء مجتمعات متحضرة تنقذ شعوبها من الفقر والجهل والتخلف وكنا نتصور أن العالم حولنا قد مر بتجارب كثيرة استخدم فيها كل ألوان القتل والدمار وأن الزمن القادم سوف يكون أكثر عدلا وإنسانية وان التقدم فى العلم سوف ينقذ البشرية من الأمراض والتخلف لكى تزداد الشعوب وعيا وإحساسا بالمسئولية ولكن للأسف الشديد وجدنا حشودا ظلامية خرجت علينا من أطلال الماضى البعيد ولا أحد يعرف من منحها فرصة الانقضاض على العصر لتدفع شعوبها للوراء آلاف السنين ثم وجدنا صورا مخيفة للتقدم وتكنولوجيا العصر فى طائرات تسبح فى الهواء فوق السحاب تمارس القتل ولا يراها احد وأصبحت البشرية حائرة بين ماضى متخلف وحاضر يمارس القتل تحت دعوى التقدم والتحضر، إنها قصة غريبة لهذا التناقض فى كل شيء أمام مجتمعات دمرها الجهل وأخرى تصدر الموت تحت شعار الحياة!!..
> عادت أفكار طاغور وهو الشاعر الذى أحببت شعره وفلسفته وإنسانيته وهو يجادل اينشتاين حول مستقبل البشرية إذا تخلت عن روحانياتها وما هو مصيرها الغامض وهى تتقدم فى صناعة الموت تحت شعار: إنها الحضارة.. ماذا تفيد الحضارة إذا فقدت ضميرها وصارت بلا قلب وماذا نسمى ما يحدث حولنا الآن من خرائب افتقدت المشاعر والإنسانية.. من يشاهد ما يحدث فى العواصم العربية العريقة بغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس وغزة لابد أن يتساءل هل هذا هو مستقبل البشرية يوم أن حلم الإنسان بأوطان محررة وحياة أكثر كرامة وشعوب أرقى وعيا وسلوكا، لعل طاغور كان على حق يوم أن حذر العالم بأن البشرية لا يمكن أن تعيش فى أمن وسلام ورفاهية مادامت تجارة الموت أكثر السلع رواجا، وشتان بين حضارة تصنع الحياة وأخرى تحترف الموت ولله فى خلقه شئون.. الصراع الحضارى يجب أن يكون من أجل الحياة وليس وسيلة إلى الموت..
ويبقى الشعر
وعَلمتـَنـَا العِشْقَ قبلَ الأوَانْ
فـَلمَّا كـَبـِرْنـَا..ودَارَ الزَّمانْ
تبرَّأتَ منـَّا..وأصبَحْتَ تنـْسي
فـَلم نـَرَ فِى العشْق غير الهَوانْ
عَشِقـْناك يا نيلُ عمرًا جميلا
عَشِقـْناك خَوْفـًا..وَليْلا ًطويلا
وهَبْنـَاكَ يَومًا قلوبًا بَريئـَهْ
فـَهلْ كانَ عِشْقــُكَ بعضَ الخَطِيئهْ؟!
طـُيوركَ ماتتْ..
ولم يبقَ شيءٌ على شاِطـئـَيـْـكَ
سِوَى الصَّمتِ..والخوفِ..والذكرياتْ
أسِافرُ عنكَ فأغُدو طـَلِيقا..
ويسقط ُ قيْدِي
وأرجعُ فِيكَ أرَى العُمرَ قبرًا
ويصْبحُ صَوْتِى بقايَا رُفاتْ
طيوركَ ماتـَتْ..
ولم يبقَ فِى العشِّ غيرُ الضحَّايا
رمادٌ منَ الصُّبح..بعضُ الصِّغارْ
جَمعتَ الخفافِيشَ فِى شَاطِئيـْـكَ
وماتَ علـى العينِ..ضوءُ النـَّهارْ
ظلامٌ طويلٌ على ضِفتيكَ
وكلُّ مياهكَ صارتْ دماءَ
فكيفَ سَنشَربُ منكَ الدِّماءْ..؟
تـُرى مَنْ نعاتبُ يا نيلُ؟ قـُلْ لِي..
نعاتب فيكَ زمانـًا حزينـًا..
منحناهُ عمرًا..ولمْ يُعطِ شيئـًا..
وهل ينجبُ الحزنُ غير الضياعْ
تـُرى هل نعاتب حلمًا طريدًا..؟
تحطم بين صخور المحالِ..
وأصبح حلما ذبيح الشراع
تـُرى هل نعاتبُ صبحًا بريئـًا..
تشردَ بين دروبِ الحياة ِ
وأصبحَ صبحًا لقيط َ الشعاعْ؟
تـُرى هل نعاتبُ وجهًا قديمًا
توارى مع القهر خِلف الظلام ِ
فأصبح سيفـًا كسيحَ الذراعْ؟
تـُرى من نعاتب يا نيل؟ قـُلْ لِى ..
ولم يَبق فى العمر إلا القليلْ
حملناك فى العْين حباتِ ضوءٍ
وبين الضلوع ِ مواويلَ عشق..
وأطيارَ صبح تناجى الأصيلْ
فإن ضاعَ وجهيَ بين الزحام ِ
وبعثرتُ عمرى فى كلِ أرض.
وصرت مشاعًا..فأنتَ الدليلْ
تـُرى مَنْ نعاتبُ يا نيلُ؟..قـُلْ لِي..
وما عادَ فِى العمْر وقت ٌ
لنعشَقَ غيرَكَ..أنت َالرَّجاءْ
أنعشَقٌ غيرَكْ..؟
وكيف؟..وعشقـُكَ فينـا دِماءْ
تروحُ وتغـُدو بـِغير انتهاءْ
أصبحتَ تحيَا أأسافرُ عَنـْكَ
فألمحُ وجْهَكَ فِى كلِّ شيءٍ
فيغدُو الفناراتِ..يغدُو المطاراتِ
يغدُو المقاهِي..
يسدُّ أمامِيَ كلَّ الطـُّرق
وأرجعُ يا نيلُ كيْ أحْترقْ
وأهربُ حينـًا
فأصبحُ فى الأرض ِطيفـًا هزيلا
وأصرخ فى النـَّاس..أجْرى إليهم
وأرفـَعُ رأسِى لأبدُو مَعَكْ
فأصْبحُ شيئـًا كبيرًا..كبيرًا
طويناكَ يا نيلُ بينَ القـُلوب
وفينـَا تـَعِيشُ..ولا نـَسْمُعُكْ
تمزِّقُ فينـَا..
وتدركُ أنك أشعَـلـْتَ نارًا
وأنك تحرق فى أضلـُعِكْ
تعربدُ فينا..
وتدْركُ أن دمَانـا تسيلُ..
وليسَتْ دِمَانا سِوى أدمُعِكْ
تركتَ الخفافيشَ يا نيلُ تلـْهُو
وتعْبثُ كالموتِ فى مَضجَعِكْ
وأصبحتَ تحيَا بصمت ِ القبور
وصوتِى تكسَّر فِى مسمَعِكْ
لقـْد غبتَ عنـَّا زمانـَّا طويلا ً
فقـُلْ لى بربك منْ يرجعُكْ؟
فعشقـُكَ ذنبٌ..وهجرُك ذنبٌ
أسافرُ عنكَ..وقلـْبى مَعَكْ
[email protected]لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة رابط دائم: