رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العروبة والانتماءات القطرية

يقول مؤرخ الجغرافيا وفيلسوف الهوية جمال حمدان: إن العروبة طارئة فى بعض الدول العربية ومنها مصر! وإذا كنا جميعًا نتغنى بأمجاد عروبتنا ونتحدث عن التاريخ المشترك إلا أننا أيضًا مصابون بنزعات قطرية وتشابكات فى الهوية تجعلنا لا نستطيع أخذ مضمون العروبة على إطلاقه، فالمصريون يتحدثون عن الفرعونية، واللبنانيون يرددون صفحاتهم من التاريخ الفينيقي، أما العراقيون فقد كفتهم بابل وآشور إذا أرادوا أن يشيروا إلى تاريخهم قبل الإسلام الذى حمل العروبة إليهم، ولأن هذه المنطقة التى نعيش فيها هى ملتقى للحضارات ومركز تواصل بين الثقافات فإن التداخل فى مقومات الشخصية الوطنية لكل دولة أمر وارد، وإذا كنا جميعًا نفتخر بأننا نعيش تحت مظلة العروبة إلا أننا لا نراها عروبة كاملة باستثناء المنطقة التى خرج منها الإسلام حاملًا معه الثقافة العربية إلى الشعوب التى اعتنقته والأقوام التى رحبت به، وأنا أظن أن الاعتراف بالاختلافات - وهى ليست كبير - أمر يعزز صلابة الانتماء وقوة الارتباط بين أطراف المنطقة العربية فى غرب آسيا وشمال إفريقيا والجزيرة والخليج، لأننا نزعم بأن التركيبة السكانية فى هذه المناطق قد تختلف، ولكنها تتفق فى إطار ثقافى موحد، فالاعتراف بالتباين هو التأكيد الموضوعى للمشترك الثقافى وآثاره فى كل اتجاه، والآن دعنا نغوص قليلًا فى بعض المحاور المتصلة بقضية التجانس العروبى داخل المنظومة القومية:

أولًا: لقد ورثت الأرض العربية مجموعة غنية من الحضارات القديمة والثقافات العريقة والديانات السابقة على التوحيد والتالية له، لذلك فالعرب يعيشون على رقعة مر عليها الدهر واختلطت فيها الأجناس حتى جسدت فى النهاية مكونًا عربيًا واحدًا رغم اختلاف مستويات المعيشة وحجم السكان ودرجة التعلم لكل مرحلة.

ثانيًا: إن الثنائى - العروبة والإسلام - الذى نعترف بانتمائنا له نتيجة استقراء التاريخ العربى الحديث سوف يوضح لنا أن الدين هو الذى حمل القومية، بدليل أن هناك دولًا إسلامية فى المنطقة قبلت الدين وتحفظت على العروبة، بينما هناك دول أخرى قبلت الاثنين معًا وذلك يعنى أن عرب الجزيرة قد استغلوا الزخم الناجم عن الدعوة الإسلامية فى الانتشار بين أقطار المنطقة ليصبغوها بالثقافة العربية ويروجوا لقوميتهم، ولحسن حظهم أن العوامل المختلفة فى المكون الحضارى للشعوب قد بدأت هى الأخرى تتغير وربما تتآكل إذ إن الدنيا تشهد تحولات كبرى تؤثر بالضرورة على مستقبل الأوطان.

ثالثًا: لقد أصبح العامل الثقافى هو المتغير المستقل فى العلاقات الدولية المعاصرة فالثقافة هى القاطرة التى تحمل هوية الدولة التى عاشت فيها وتشدها نحو المستقبل الأفضل، ولم تعد السياسة هى المظهر الحى للهوية بل إن الثقافة العادلة التى تقوم على أسس سليمة هى القادرة على تفهم مثل هذه الأمور وفك الاشتباك بين الماضى والحاضر، لأن هناك صراعًا ثقافيًا داخل الدولة الواحدة، بينما يحتاج الأمر إلى رؤية أمنية ناجحة تضفى على الدبلوماسيين خصوصًا فى سفاراتهم فى الخارج رداءً وطنيًا شريطة أن يدركوا قيمة العلم وتحيته والمعرفة وقيمتها.

رابعًا: إذا كنا نسلم بأهمية الثقافة كقاطرة للحركة القومية فإننا لا نغفل قيمة الاقتصاد وأهميته، فالشعوب كما يقولون تزحف على بطونها وليست الجيوش فقط، ولذلك فإن تلبية حاجات الناس فى أى قطر عربى هى مسئولية الحاكم ومن معه، وذلك يعنى أن الخلفية الاقتصادية لأى قرار سياسى هى أمر واجب لا يمكن تخطيه أو العبث به، والاقتصاد من وجهة نظرنا يعنى الوفاء بمتطلبات البشر ورفع مستوى معيشتهم والسعى للارتقاء بحياتهم دون تمييز بين البشر مع إعمال مبدأ المواطنة بلا تفرقة أو استثناء.

خامسًا: إن المتأمل للخريطة السياسية العربية سوف يلاحظ أنها محاطة بقويً مجاورة، فالقومية الفارسية شرقًا والتركية غربًا، وإسرائيل ركيزة يعتبر وجودها أساسًا من أسس تشتيت الأمة العربية وتمزيق أوصالها، ولا يقف الأمر عند هذا الحد فإن مخاطر أخرى يمكن أن تتحرك من منطقة القرن الإفريقى والزاوية المواجهة للعرب جنوبًا، ولذلك فإن علينا أن نتحسب دائمًا لجميع المخاطر المحتملة والتى تتجدد حولنا مغلفة بحزام ناسف من الإرهاب الشرس الذى حاول تمزيق أطراف الأمة العربية وتهديد وحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية، كما يجب أن نضع فى اعتبارنا أنه لا يوجد مبرر لكى نتحدث دائمًا بلغة محبطة بل لا بد أن نستمد من ماضينا ما يدفعنا نحو مستقبل أفضل يكون أكثر استقرارًا وتقدمًا.

هذه مظاهر عابرة لما يدور حولنا ويهدد أرضنا وهى تبدو فى مجملها بحاجة إلى دعوة قوية لتحديث النظم وتقوية الاقتصاد، لأن النموذج الناجح هو الذى يلفت إليه الآخرين، فيجب أن نؤمن بأن قوة الداخل هى التى تؤدى إلى عزة الخارج ولن يخرج العرب من دائرة الهوان إلا إذا اعتزوا بهويتهم وتمسكوا بمقوماتها خصوصًا بالجانب الثقافى منها، لأن ذلك هو السبيل الصحيح والمسلك الوحيد للخروج من الممر الضيق الذى نحاول عبوره منذ سنوات، خصوصًا أن أحداث الربيع العربى قد غذت النعرات وأثارت الطائفية وسربت إلى العروبة سرطان التمييز بل وثقافة الكراهية أيضًا، ولن تقوم لنا قائمة إلا إذا أدركنا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.


لمزيد من مقالات ◀ د. مصطفى الفقى

رابط دائم: