رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

النزعة الاحتفالية بين المهرولين والمتطلعين

لا يستطيع أحد أن ينكر أهمية الاحتفال فى حياة الشعوب، فقد نظر علماء الاجتماع إلى الاحتفالات على أنها صورة من صور التعبير الجمعى عن روح الجماعة وتماسكها، وإعادة إنتاج ثقافتها، ومن ثم إعادة إنتاج هويتها الاجتماعية والثقافية. وتعمل الاحتفالات الجمعية كالاحتفال بالأعياد والمناسبات الوطنية، والاحتفالات الاستعراضية فى مجال الرياضة والفنون، والاحتفالات الشعبية المرتبطة بمناسبات معينة، وغير ذلك من صنوف الاحتفال، تعمل على نقل المجتمع من خارج الأفراد إلى داخلهم، فيصبح حاضراً فى ذواتهم عاملاً على ايقاظ ما رقد من عواطفهم ومشاعرهم تجاه الجماعة الأكبر، مذكراً إياهم بأهم رموز الجماعة وأهم عناصر بقائها واستمرارها. وبهذه الطريقة فإن الاحتفالات تلعب دوراً كبيراً فى حياة المجتمعات، على اعتبار أنها تسهم فى تجديد روحها وتأكيد اعتبارات استمرارها.

ولذلك فإننى لم أقصد أن أسوق هذا الحديث على هذا النمط من الاحتفالات الجمعية، وإنما قصدت صنوفاً أخرى لا تؤشر على احتفالات بقدر ما تؤشر على ما أطلق عليه النزعة الاحتفالية أو الاحتفائية، التى تكشف عن نزوع نحو الدخول فى المجال الاحتفالى عبر الكلام والممارسات اليومية والأنشطة المصطنعة. ويتمثل ذلك فى صور عديدة من السلوك الذى لا يمكن أن يغيب عن عين الملاحظ الحصيف. ولذلك فلا سبيل أمامنا فى البداية إلا أن نسوق شواهد على ما نعتقد أنه يدخل فى عداد هذه النزعة الاحتفالية. لنبدأ من الأطر الاحتفالية المتمثلة فى المؤتمرات بصورها المختلفة (العلمية والثقافية)، حيث نجد مبالغة كبيرة فى جلسات الافتتاح لا نجد له مثيلاً فى نظير هذه المؤتمرات فى بلدان أخرى. فقط فى البلاد العربية، يتزايد التفاخر، ويكال المديح والتقريظ، وتطول كلمات الافتتاح، ويصر المنظمون على أن يحضر الافتتاح أكبر عدد من ذوى السلطة، ويكاد ينتهى المؤتمر فعلياً بجلسة الافتتاح، بحيث قد لا نجد جمهوراً يذكر ليحضر الجلسات العلمية أو الثقافية. ومن المظاهر الاحتفالية الأخرى الأكثر شيوعاً هذه الأيام الإسراف فى إطلاق المبادرات، التى تأخذ فى الغالب شكلاً صورياً يرتبط بممارسات كلامية أو سلوكية محدودة النطاق لا تأثير لها يذكر، ولا تاريخ لها يكتب. فكلما عنت لفرد فكرة، فإنه يطلقها فى شكل مبادرة، فتتعدد المبادرات، وتأخذ كل واحدة منها أهميتها من أهمية صاحبها أو قدرته على الكلام أو التأثير فى الرأى العام، وعندما تطلق المبادرة، خاصة اذا اطلقت من مثل هذه المظان ذات التأثير الأقوى، فإنها تحاط بالاحتفال فيكثر حولها الكلام والدعاية. وقد تأخذنا هذه المظاهر الاحتفالية إلى مشهد ثالث يكشف عن هذا الجو الاحتفالى يرتبط بالمبالغة الشديدة فى مدح الآخرين وتثمين سلوكهم ومبادراتهم، وتصوير الانجازات العادية على أنها انجازات خارقة، بحيث يمكن للمرء أن يقول لزميله صاحب الفكرة البسيطة أو المبادرة البسيطة: فكرتك مكسّرة الدنيا أو مصر كلها بتتكلم عن الموضوع، دون تحديد لأى دنيا هذه التى تكسرت من شدة الفكرة وقوتها، وأى مصر هذه التى تتكلم عن هذا الموضوع وهذه الفكرة.

وقد نستفيض فى رصد مثل هذه المشاهد التى تفيض بالحماس والتملق، وتخلق عالماً احتفالياً خاصاً. ولكننا سوف نكتفى بما أشرنا إليه ونخصص ما تبقى من هذا الحديث للبحث عن بعض تفسير وبعض تأويل لمثل هذه المشاهد. قد نلاحظ أولاً أن هذه الضروب من السلوك هى أكثر انتشاراً بين أبناء الطبقة الوسطى من المتعلمين الطامحين دوماً إلى الصعود إلى أعلى، والمتطلعين الى الفوق. وأحسب أن المبالغة فى الممارسات الاحتفالية تمثل واحدة من الآليات التى يستخدمها أعضاء من الطبقة الوسطى، وهى تتناقل بينهم من جيل إلى جيل، وتصبح أكثر تكاثراً وتعدداً كلما تقدمنا إلى الأمام عبر الأجيال، وكلما سمح السياق بها واستطعم بريقها اللامع الذى لا يدوم. هنا يمنح السياق الفرصة ، ويعرض المحتفون ما لديهم من بضاعة ، ويعمل كل على مكانته.

وثمة دلالة أخرى يمكن أن تشتق من هذه الممارسات مفادها أنها تعمل على بناء عالم مختلف عن العالم الواقعى، عالم يتجلى فيه الحب والعقلانية والفضيلة والثقة، وهو عالم يختلف كلية عن العالم الحقيقى الذى يتركه وراءهم هؤلاء الممارسون للاحتفاء. ويمثل الخروج من عالم الواقع إلى العالم الاحتفالى لحظة انتصار أو لحظة سعادة مصطنعة وزهو مختلق. ويبدو البشر هنا وكأنهم يصنعون لأنفسهم أقنعة جديدة تتغير فيها وجوههم وأصواتهم وعباراتهم. إنها أقنعة الواجهة المسرحية أو الخشبة الأمامية بتعبير علماء الاجتماع، التى يجيد الناس فيها التمسرح. ولكن التمسرح فى الحالة الاحتفالية يبلغ مداه، ويتحول فيه القناع إلى قناع سميك قادر على أن يغير من الألفاظ والمعانى وعلى صناعة الوهم وإعادة إنتاجه.

ولا تخلو هذه الصور من المبالغات الاحتفالية من نظرة عدائية أو على أقل تقدير نظرة رفض وشك تجاه الآخرين المختلفين فى أهدافهم أو فى أساليبهم. يتجلى ذلك فى تصوير أداء المحتفين فى مقابل أداء الآخرين، وفى ذكر فضائل أعمالهم فى مقابل أعمال الآخرين، وفى تصوير انجازاتهم ومبادرتهم على أنها الأقدر والأجمل والأهم. ويبقى الآخر هناك منفياً مجهلاً لا قيمة لأفعاله ولا أقواله . وقد يبدو هذا الحكم قاسياً، فليس هناك من عداء ظاهر هنا. ولكنى أكاد أرى عداءً مضمراً، ونفياً مضمراً للآخر إذا ما تجاوز حديثنا عن أنفسنا حداً معيناً.

وكما بدأت بالطبقة الوسطى فإننى سوف أنهى هذا الحديث بالعودة إليها، فإذا كان هذا الميل الاحتفالى هو أحد سبلها وطرائقها المبتكرة، فهل تكون هذه الطبقة مؤهلة لأن تنجز مشروعاً تنموياً حقيقياً، وإذا كانت مؤهلة لذلك، فهل يتحقق ذلك بأدوار المهرولين المتطلعين أصحاب النزعات الاحتفالية والأقنعة السميكة، أم أنه يتحقق بمن يعملون فى هدوء الظل بعيداً عن البريق؟. وأخيرا الى أى مدى يظل السياق سعيدا ومبتهجا بكل هذه الجلبة؟.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: