رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قصة سنغافورة وسؤال دور الفرد فى التاريخ (1-3)

فى قصة سنغافورة، هذا البلد الصغير الذى تحوّل من جزيرة فقيرة الموارد والإمكانات إلى دولة متقدمة ومزدهرة خلال ثلاثة عقود فقط، هى فترة حكم مؤسسها «لى كوان يو» ثمة الكثير من الدروس والتساؤلات. أحد هذه التساؤلات هو من يصنع التاريخ وينقل الدول من حال إلى حال؟ هل هو الحاكم/الفرد/ الاستثنائى الذى يمكن وصفه بالقوى النزيه العادل أم هو الشعب بمؤسساته وقواه السياسية القادرة على تنظيم الجموع البشرية بوسائل ديمقراطية؟ للوهلة الأولى تبدو حالة الشعوب صانعة التاريخ والتقدم مثالاً حياً وساطعاً فى معظم أوروبا وأمريكا واليابان وغيرها من البلدان. لكن التاريخ لا يخلو قديماً وحديثاً من حالات استطاع فيها أفراد استثنائيون صناعة تاريخ بلدانهم والخروج بها من أسر التخلف والفقر إلى فضاء التقدم والازدهار، وهو أمر لم يتحقّق فى بعض الحالات إلا عبر وسائل مثيرة للجدل من منظور ديمقراطى مكّنت هؤلاء الأفراد الاستثنائيين من البقاء فى الحكم لفترات طويلة بلغت فى حالة مؤسس سنغافورة «لى كوان يو» ثلاثة عقود وبالتحديد 31 عاماً من 1959 الى 1990، ثم حظى بمنصب شرفى كمستشار فى مجلس الوزراء حتى 2011.

طرح السؤال ليس إقصائياً بالضرورة، فالحاكم القوى العادل لن يستطيع أن ينجز الكثير دون شعب مجتهد وكفء ومنظّم، ثم إنه ليس هناك ما يمنع نظرياً وواقعياً من وجود شعب كفء ومجتهد يقوده حاكم قوى وعادل. لكن كان الحاكم القوى العادل هو العنصر الأساس فى النهضات/ الطفرات التى شهدتها بعض المجتمعات، تجلّى هذا النهوض فى حالة لى كوان يو وفى حالة بارك تشونج الجنرال الذى حكم كوريا الجنوبية لمدة 17 عاماً من 1962 حتى 1979 وضع خلالها أسس نهضتها وازدهارها الاقتصادى الحالى، الوضع نفسه ينطبق على حكام الصين الأقوياء ابتداء من مهندس تحولها الاقتصادى العظيم دنج هسياو بنج. ولربما يُضاف إلى ذلك حالة النموذج المصرى الناهض فى فترة حكم جمال عبد الناصر الذى تحوّل من بكباشى فى الجيش المصرى إلى أحد أبرز قادة إفريقيا وآسيا وربما العالم كله فى حقبة زمنية معيّنة.فى هذه الحالات وربما أخرى غيرها، كان الحاكم الاستثنائى الفرد عاملاً تاريخياً مؤثراً يصعب تجاهله لا سيّما فى نهوضه ببلدان فقيرة ونامية ليضعها فى مصاف الدول العصرية المتقدمة.

إذا كانت شرعية الحاكم فى النظم السياسية الحديثة قوامها القبول الشعبى فإن شرعية الإنجاز والعدل تقدم نفسها كأساس لبقاء الفرد فى الحكم فترة طويلة مهما كان هذا الأساس مثيراً للجدل أو نقيضاً لمنطق الديمقراطية المعاصرة، وبغير هذه الشرعية يصعب فهم نجاح النهضات/الطفرات التى تحققت بيد حاكم قوى عادل.يجيب لى كوان يو مؤسس نهضة سنغافورة على سؤال وجهه إليه رئيس حكومة كوريا الجنوبية عام 1988: كيف استطعت البقاء فى السلطة طيلة هذه المدة الطويلة؟ أجاب قائلاً فى مذكراته بعنوان قصة سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول: «لأن الشعب يعرف بأننى لا أكذب وأننى مخلص فى عملى لتحقيق مصالحه. الناس العاديون لا يستطيعون فهم تعقيدات المشكلة السياسية أو الاقتصادية. هم يعرفون من هو جدير بثقتهم. لم أقل شيئاً لم أؤمن به. وأدرك الناس أننى صادق ومخلص وأمين. هذا هو مصدر القوة التى أتمتع بها». تلك كانت أقوال لى كوان يو حرفياً.

حينما أصبح الرجل رئيساً لوزراء دولة فقيرة بلا موارد لا سيّما بعد انفصال سنغافورة عن ماليزيا فى عام 1965 لتفقد بذلك حتى مصدر المياه التى كانت تأتى إليها من ماليزيا استطاع أن يحوّل قيم الانضباط والصرامة والتقشف والإيمان بتنمية الإنسان إلى سلوكيات وممارسات وقوانين ومساءلات حتى صارت عنواناً لنهضة سنغافورة. كان أول ما فعله هو تخفيض رواتب الوزراء من 3600 إلى ألفى دولار، وتطبيق قوانين صارمة تصل إلى فرض الانضباط السلوكى على الناس فى الشارع فيعاقب من يلقى بذيل سيجارة أو قطعة علكة على أرض الشارع، وتجميد التعيينات فى الوظائف الحكومية، وإنهاء التوترات الاجتماعية بين طوائف شعب يضم أعراقاً متعددة من صينيين وماليزيين وهنود وذوى أصل أوروبى، والأهم هو الاستثمار فى البشر بالتوسع فى إنشاء المدارس التقنية والمهنية، وتوفير التدريب الإجبارى للعمال غير المدربين بمقابل مدفوع. كان أهم ما اقتنع به لى كوان يو هو التركيز بشكل خاص على إنشاء المدارس النخبوية لاستقطاب الطلاب النابهين والموهوبين الذين سيصبحون فيما بعد عماد المناصب الكبرى فى الجهاز الحكومى، وفى إدارة الشركات الخاصة الناجحة.

نهضت سنغافورة وحققت ازدهارها التاريخى الذى وصل بها إلى أن يصبح إجمالى ناتجها المحلى نحو 320 مليار دولار سنوياً لعدد سكان لا يتجاوز 6 ملايين نسمة ليصل بذلك متوسط نصيب الفرد من هذا الناتج الإجمالى المحلى إلى 49 ألف دولار سنوياً. حينما تحقق ذلك عاد لى كوان يو ليتحدث عن ضرورة منح الموظفين الأكفاء الموهوبين رواتب مجزية وأصبح متوسط رواتب الوزراء فى سنغافورة من اعلى المعدلات فى العالم كله. فعل هذا الرجل نفسه الذى قرر فى يوم ما تخفيض رواتب الوزراء من باب التقشف بنسبة 40%. كانت واقعة تاريخية شهيرة يعرفها العالم كله تلك التى بكى فيها علناً لى كوان يو وهو يعلن قرار انفصال سنغافورة عن ماليزيا والذى كان فى حقيقته تحصيل حاصل بعد طرد سنغافورة من الاتحاد الماليزى. كانت كلمات الرجل مدوّية ومؤثرة آنذاك وهو يقول لشعبه إن لدينا الكثير من العمل والمشكلات والقليل من الموارد والقليل من الوقت. ويبدو أنه كان متأثراً بعض الشيء بالطريقة التى يخاطب بها رونالد ريجان الرئيس الأمريكى الأسبق إذ يقول كوان يو فى مذكراته: كان مصدر القوة لدى الرئيس الأمريكى ريجان أن لديه مستشارين بارعين فى الكتابة لكنه كان يعمل بدأب على تعديل المسوّدات التى يكتبونها، يستخدم أفكارهم لكنه يعبر عنها بكلماته، لم يسمح بأن يعلو صوتهم على صوته، ولذلك حين كان يلقى خطاباً كان يبدو متمتعاً بالأمانة والصدق.

كان كوان يو صاحب رؤية فى ظاهرة الفساد تجمع بين الواقعية والإرادة، إذ يعتبر أن القضاء كليةً على الفساد غير ممكن عملياً لكن ما يجب فعله هو مكافحته والتقليل منه إلى أقصى حد بقوانين رادعة ذات فعالية فى التطبيق وبأدوات رقابة دائمة، ولهذا أصبحت سنغافورة اليوم ذات تصنيف إيجابى متقدم فى مؤشر الشفافية ومكافحة الفساد.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: