رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أجيال بلا لغة ولا تاريخ ماذا يبقى لها؟

ماذا تفعل إذا وجدت نفسك أمام أجيال من الأطفال لا يعرفون لغتهم ولا يتحدثون بها ولا يذكرون شيئا من تاريخ بلادهم ولا يحفظون أغنية من تراثهم وقبل كل هذا فإن الوطن عندهم مجرد اسم على خريطة.. هذا هو حال أجيالنا القادمة ليس فى مصر وحدها ولكن فى كل أرجاء العالم العربى الذى فرط فى لغته وتاريخه ورموزه وفنونه وأصبح تابعاً لكل من هب ودب يعبث فى عقول أجياله كما يشاء أمام هجمات تكنولوجية قاسية غيرت كل المفاهيم والثوابت.. أصعب الأشياء الآن أن تجد طفلا فى أسرة متوسطة الحال يتحدث اللغة العربية وتجد الأب مبتسماً وهو يسمع ابنه ينطق إحدى اللغات الأجنبية وتجد الأم تفتخر أمام أصحابها فى النادى أن ابنها لا يتحدث العربية ويعتبرون ذلك من سمات التخلف والجاهلية الأولي..

> إن الطفل الصغير لا يدرس اللغة العربية فى المدرسة فهى ليست ضمن المناهج المقررة عليه وإذا كانت مقررة فهو لا يلتفت إليها ولهذا هو لا يعرف الحروف العربية ولا يكتبها ولا ينطق بها ولكن إذا كان فى مدرسة انجليزية أو أمريكية فإن لغته الأساسية التى يدرس بها كل المواد الأخرى هى الانجليزية وإذا كان فى مدرسة فرنسية فهو يدرس تاريخ فرنسا ولا يعرف شيئا عن تاريخ وطنه.. وإذا كان يدرس فى مدرسة يابانية أو صينية أو ألمانية فهو يتعلم اللغة التى فرضت عليه فى المدرسة.. نحن الآن أمام أجيال جديدة متناقضة فى لغتها مختلفة فى تاريخها وهى لا تعرف شيئا عن تاريخ وطن نعيش فيه.. وكانت النتيجة أكثر من كارثة:

> لنا أن نتصور انسحاب اللغة العربية من الساحة تماما أمام برامج تعليمية لا تهتم بهذه اللغة وأسقطتها تماما من كل مشروعاتها ومناهجها التعليمية.. فى مدارس اللغات وهى الآن بالمئات ليس من الضرورى أن يعرف الطفل لغته، لأن المطلوب أن يعرف لغة المدرسة التى يتعلم فيها.. وهذه المدارس لا يعنيها إطلاقا أن يتعلم التلميذ لغته إن نقطة التميز التى تراها أن يتحدث اللغة الأجنبية لأنها المستقبل الذى سيجد به فرصة عمل أو سفرا أو منصبا ومكانة..

> إن تعدد أنواع المدارس خلق أجيالا متناقضة فى لغتها وطريقة تفكيرها وأسلوبها فى الحياة أن المدرسة الانجليزية تختلف عن الأمريكية أو اليابانية لان لكل شعب من شعوب هذه المدارس أسلوبا مختلفا فى الحياة والسلوك والعمل.. ولكن الشيء الخطير أن ينفصل الطفل عن لغته وهى ليست فقط لغة للتعامل ولكنها لغة يعرف بها ثوابت مجتمعة ودينه وأخلاقياته لأن اللغة العربية ليست مجرد لغة للكلام إنها لغة القرآن الكريم عقيدة المسلمين بل أن اللغة العربية هى رصيد الثقافة العربية التى تتحدث بها الشعوب العربية كلها باختلاف العقائد والأديان..

> لنا أن نتصور أطفالا لا يدرسون ولا يتعلمون تاريخ أوطانهم إن التاريخ هو ذاكرة الشعوب وحين يسقط من ثقافتها وتكوينها فلن يبقى لها شيء على الإطلاق وأطفال بلا لغة ولا تاريخ نبت شيطانى لا يستطيع أحد أن يتنبأ بمستقبله ومواقفه فى الحياة.. لا اعتقد أن الانجليز أو الألمان لا يدرسون تاريخ بلادهم ولكننا فى عالمنا العربى جردنا أطفالنا من كل المقومات الثقافية التى يقوم عليها بناء الإنسان.. إن الغريب فى هذه القضية أن يدرس الطفل تاريخ الدولة التى تنتمى إليها مدرسته ولا يعرف شيئاً عن تاريخ وطنه رموزاً وأحداثاً..

> فى ظل هذا المناخ لن تجد طفلا الآن يذكر شيئا من فنون وطنه إن الشاشات تطارده كل ليلة بالأفلام الأجنبية وهى أكثر جاذبية وإثاره وحين يشاهد أفلام العنف فإن خياله يسافر بعيداً وراء هذا العالم ويحلم أن يكون يوماً فيه.. إن الفنون هى التى تربى الخيال والوجدان فى فيلم أو أغنية أو مسرحية أو برامج أطفال وحين نحاصر أطفالنا بكل هذه الوسائل فنحن نخلق أجيالا لا تعرف شيئا عن الانتماء، إن الأفلام الأجنبية هى التى شكلت أجيالا كثيرة فى العالم العربى وهذه الأجيال لا تسمع غناء عربيا لأنها لا تفهمه ولا تشاهد فيلما عربيا لأنه ساذج وممل وقبل هذا هى لا تفهم إلا باللغة الأجنبية التى تتحدث وتفهم بها.. إن الفنون الأجنبية بكل أنواعها اقتحمت كل الثوابت وغيرت مفاهيم كثيرة لدى أجيالنا الجديدة..

> لك أن تتصور حال الأسرة المصرية والأبناء لا يتحدثون لغتهم ولا يحبون فنونهم ولا يذكرون شيئا من تاريخهم.. إنهم فى المدرسة محاصرون بالمناهج التى لا تذكر شيئا عن أوطانهم.. ويجلسون ليلا على مواقع التواصل الاجتماعى وما يوجد فيها من الخزعبلات ثم يشاهدون فيلما من أفلام الرعب وبعد ذلك يشاهدون أو يسمعون أغنية بإحدى اللغات الأجنبية.. وقد تتعجب وأنت تشاهد على الفضائيات العربية مسابقات للغناء باللغات الأجنبية ويتسابق الشباب من كل الأقطار العربية للغناء على الطريقة الغربية وقد فتحت عواصم عربية كثيرة أبوابها لهذه الفنون وتسمعها وكأنك فى باريس أو لاس فيجاس أو ملاهى شيكاغو.. إن اللغة العربية غائبة فى لغة الشارع ومحلاته وعناوينه وغائبة عن الأسرة والشاشات والمدرسة ومواقع التواصل الاجتماعى فأين يهرب أطفالنا من هذا الحصار؟!..

> نحن الآن أمام أزمة حقيقية تعيشها لغتنا العربية وللأسف الشديد أنها أزمة لا تجد من يواجهها أمام نظم تعليمية مختلطة وأجيال خرجت إلى الحياة لا تعرف لغتها، وتاريخ تشوه أمام عبث ومحاولات تزييف وتضليل وكانت النتيجة أننا الآن نقف ونشعر بالعجز لأن الأطفال لا يعرفون لغتهم.. ولا لغة دينهم وقرآنهم ولا يحفظون اسم رمز من رموزهم وقبل هذا كله لا يريدون هذا الماضى لأنهم لم يقرأوا عنه شيئاً.. رغم أن المحنة قاسية إلا أن هناك حالة من التراخى فى التعامل معها على المستوى الرسمى والشعبي.. إن الحكومات لا يعنيها كثيرا أن تنقذ اللغة العربية من محنتها والأسرة لا تهتم عرف الأطفال تاريخ وطنهم أم لم يعرفوه والوسط الثقافى غارق فى معاركه واجتهاداته التى لم ولن تصل به إلى شيء..

> إن أمام مجلس النواب المصرى مشروع قانون لإنقاذ اللغة العربية وللأسف أن المجلس لم يهتم حتى الآن بمناقشة هذه القضية رغم أن المشروع مقدم من مجمع اللغة العربية وفيه الكثير من المقترحات المهمة على المستوى الثقافى والسلوكى والتعليمي.. إن هناك ضرورة الآن لمناقشة مستقبل اللغة العربية قبل أن نجد أجيالا من أبناءنا لا يعرفون شيئا عن لغتهم بل إن الأمر يتطلب اهتماما على مستوى الدول والنخب الثقافية العربية حتى لا نجد أنفسنا يوما أمام أمة فرطت فى لغتها وثوابتها فما أكثر اللغات التى انقرضت أمام الإهمال والانفلات وسوء التقدير.. هنا أيضا ينبغى ان يكون لجامعة الدول العربية دور فى مواجهة هذه المحنة وليس من التجاوز ان تقيم مؤتمرا لبحث ومناقشة هذه الكارثة..

> إن ثلاثية اللغة والتاريخ والفن هى أهم الثوابت التى يتشكل منها وجدان الشعوب وذاكرة الأجيال، وهذه الثلاثية من أهم المقدمات التى قامت عليها ثقافتنا العربية وإذا تخلت هذه الثقافة عن لغتها وتاريخها وفنونها فلن يبقى لها شيء على الإطلاق.. لست فى حاجة أن أتحدث عن أهمية اللغة العربية لأنها الأساس الذى تقوم عليه ثقافة مئات الملايين من البشر.. ولست فى حاجة أن أقول إنها لغة القرآن الكريم الذى يؤمن به مليار ونصف المليار مسلم على مستوى العالم ولست فى حاجة أن أقول إن تاريخ هذه الأمة جزء أساسى فى تكوينها عبر مراحل مختلفة وقبل هذا فإن الفنون الراقية هى التى شكلت الوجدان العربي..

> لابد أن تتخذ الحكومات العربية قرارا موحدا يفرض على المدارس الأجنبية ضرورة تدريس اللغة العربية بكل مناهجها وان تكون من المواد الأساسية التى توضع درجاتها فى قوائم النجاح والرسوب، وأن يكون التاريخ مادة من أهم المواد فى مراحله المختلفة فى هذه المدارس.. لا يعقل أبداً أن تتخرج أمامنا أجيال جديدة لا تتحدث لغتها ولا تعرف شيئا من تاريخ أوطانها.. لا ينبغى أبداً أن ننسى دور الفنون والغناء والسينما والمسرح والموسيقى فى بناء الوجدان.. وإذا كنا قد تركنا أجيالا كاملة تهرب من ثقافتها ولغتها وفنونها وتاريخها ودينها فإن المطلوب أن نعود بها إلى هذه الثوابت ولا ينبغى أن نتجاهل دور الحكومات فى كل هذه القضايا لأنها تمس الأمن القومى وهى من اخطر أولوياته..

إن ضياع اللغة ضياع للهوية وسقوط التاريخ إلغاء للذاكرة وتشويه الفنون جريمة فى حق الذوق العام.. إن مثل هذه القضايا قد يراها البعض مضيعة للوقت لأن هناك قضايا أهم وأخطر ولنا أن نتصور أمة فى سنوات قليلة تفقد كل مقوماتها أمام هجمات بربرية استهدفت لغتها وثقافتها وتاريخها وفنونها وهنا نتساءل ماذا يبقى لها بعد ذلك؟!.

ويبقى الشعر

قالَتْ: سَأُرْجِعُ ذَاتَ يَوْمٍ

عِنْدَمَا يَأْتِى الرَّبِيعْ..

وَجَلَسَتُ أَنْظُرُ نَحْوَهَا

كَالطِّفْلِ يَبْكِى غُرْبَةَ الأَبَوَيْنِ

كَالأَمَلِ الوَدِيعْ

تَتَمَزَّقُ الأَيَّامُ فِى قَلْبِى

وَيَصْفَعُنِى الصَّقِيعْ

كَان الخَرِيفُ يَمُدُّ أَطْيَافَ الظِّلَالْ

وَالشَّمْسُ خَلْفَ الأُفْقِ

تَخْنُقُهَا الرَّوَابِي.. وَالجِبَالْ

وَنَسَائِمُ الصَّيْفِ العَجُوزِ

تَدَبُ حَيِّرِي.. فِى السَّمَاءْ

وَأَصَابِعُ الأَيَّامِ تَلَدَّغْنَا

وَيُفَزِّعُنَا الشِّتَاءْ

وَالنَّاسُ خَلْفَ البَابِ تَنْتَظِرُ القِطَارْ..

وَالسَّاعَةُ الحِمَقِيُّ تَدُقُ فَتَخْتَفِى

فِى الَّليْلِ أَطْيَافُ النَّهَارْ

وَاليَأْسُ فَوْقَ مَقَاعِدِ الأَحْزَانِ

يَدْعُونِي، فَأَسْرَعُ بِالفِرَارْ

* * *

الآنَ قَدْ جَاءَ الرَّحِيلْ..

وَأَخَذْتُ أَسْأَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَنَا

وَنَظَرْتُ لِلصَّمْتِ الحَزِينِ

لِعَلَنِي، أَجَدُ الجَوَابْ

أَتُرَى يَعُودُ الطَّيْرُ مِنْ بُعْدِ اِغْتِرَابْ؟.

وَتَصَافَحَتْ بَيْنَ الدُّمُوعِ عُيُونُنَا

وَمَدَّدَتُ قَلِّبِى لِلسَّمَاءْ

لمْ يُبْقْ شَيءٌ غَيْرَ دُخَانٍ يَسِيرُ عَلَى الفَضَاءْ

وَنَظْرَتُ لِلدُّخَانِ شَيْءٌ مِنْ بَقَايَاِهَا يُعَزِّيَنِى

وَقَدْ عِزُّ اللِّقَاءْ.. * * *

وَرَجَعَتْ وَحَدِّيٌّ فِى الطَّرِيقْ

اليَأْسُ فَوْقَ مَقَاعِدِ الأَحْزَانِ

يَدْعُونِى إِلَى اللَّحْنِ الحَزِينْ

وَذَهَبْتِ أَنْتِ وَعَشَّتُ وَحَدِّيٌّ.. كَالسِّجِّينْ

هَذِى سِنِينُ العُمْرِ ضَاعَتْ

وَاِنْتَهَى حُلْمٌ السِّنِينْ

قَدْ قُلْتِ:

سَوْفَ أَعُودُ يَوْمًا عِنْدَمَا يَأْتِى الرَّبِيعْ

وَأُتِيَ الرَّبِيعُ وَبُعْدُهُ كَمْ جَاءَ لِلدُّنْيَا.. رَبِيعْ

وَاللَّيْلُ يَمْضِي.. وَالنَّهَارْ

فِى كُلِّ يَوْمٍ أَبْعَثُ الآمَالَ فِى قَلْبِي

فَأَنْتَظِرُ القِطَارْ..

النَّاسُ عَادَتْ.. وَالرَّبِيعُ أَتَي

وَذَاقَ القَلْبُ يَأسْ الاِنْتِظَارْ

أَتُرَى نَسِيَتِ حُبَيْبَتِي؟.

أَمْ أَنَّ تَذْكِرَةَ القِطَارِ تَمَزَّقَتْ

وَطُوِيَتِ فِيهَا.. قِصَّتِي؟

يَا لَيْتَنِى قَبْلَ الرَّحِيلِ تَرَكْتُ عِنْدَكَ سَاعَتِى

فَلَقَدْ ذَهَبَتِ حُبَيْبَتِى

وَنَسِيتِ، مِيعَادَ القِطَارْ..!

قصيدة عندما ننتظر القطار سنة 1975

 [email protected]

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: