سألت نزار قبانى يوما ماذا يعنى الخلود بالنسبة لك وكيف تتخيل أسم نزار قبانى بعد مئات السنين وهل فكرت يوما فى هذه القضية ما الذى يبقى من المبدع أمام متغيرات الزمن وهى حادة وقاسية.. قال نزار أنا لا يعنينى الخلود بمعناه الزمنى أن أتحدى الزمن لكى ابقى بين صفحاته ولكن الخلود عندى أن أعيش لحظة من السعادة أمام الآلاف التى تسمعنى وأنا أقرأ شعرى.. إن هذه المتعة تتجاوز كل ما يقال عن الخلود وأن تبقى صورة الإنسان فى خيال أجيال قادمة.. إن الخلود بمعناه الزمنى خرافة وإذا لم يشعر الإنسان بالخلود فى حياته فماذا يضيف له الخلود بعد رحيله..
أنا يا سيدى أريد حقى الآن وليس لدى استعداد أن أضحى باليوم من أجل غد قد لا يجئ كما أننى لن أراه..وللإنصاف فقد أقنعنى نزار بهذا الرأى الذى قد يختلف عليه الكثيرون لأن المبدع يكتب ليومه لعالم يعيش فيه ويتفاعل معه خاصة أن النسيان من أخطر الأمراض التى تصيب ذاكرة الشعوب..كان أستاذنا د.شوقى ضيف يقول كل الفنون يمكن أن تختفى من الحياة فى ظروف غامضة إلا الشعر فقد عاش وتحدى الزمن والنسيان لأنه روح الشعوب..لا اعتقد أن هناك مبدعا كان يفكر فى قضية الخلود وهو يبدع لأن طبيعة الأشياء أن تتبدل حولنا وقد روج يوما أنصار قصيدة النثر أنهم يكتبون لزمان قادم وليس للزمان الذى يعيشون فيه وكان الرد دائما أن الزمان القادم سوف يكون له شعرائه وفنونه ولا يعقل أن ينتظر الزمان القادم شاعراً من زمان أخر قد يجئ وقد لا يجئ..
إن قضية الخلود ليست قضية عادية لأن فيها جوانب كثيرة ينتابها الغموض وفى ظل قضية أكبر هى النسيان يصبح من الصعب أن نتحدث عن الخلود خاصة أن هناك شعوبا تنسى كل شيء فى لحظات..كان نزار على حق وهو يقول أنا لا يعنينى عاش شعرى أم لا لأن الخلود الحقيقى عندى أن أجد آلاف البشر أمامى وأنا حيّ يرددون كلماتى معى.. وقد ينسون غدا كل شيء..إذا كنت لا تضمن حياتك اليوم فكيف تراهن على زمان قادم
[email protected]لمزيد من مقالات فاروق جويدة رابط دائم: