أوروبا احتفلت قبل أيام بالذكرى الثلاثين لانهيار (سور) برلين أحد أهم (قلاع) الحرب الباردة، الذى حال دون تنقل الأوروبيين بين شرق وغرب القارة، لكن القارة العجوز تعيد الآن بناء (جدران جديدة) تجدد زمن القيود الحدودية القاسية أمام المهاجرين الراغبين فى حياة جديدة داخل عالم متحضر.
قد تكون أوروبا محقة فى الحفاظ على أمنها السياسى وتوازنها الاقتصادى فى مواجهة أكبر أزمة هجرة تشهدها القارة منذ الحرب العالمية الثانية، لكن كيف يمكن لأوروبا، التى كثيرا ما تغنت منظماتها الحقوقية بقضايا حقوق الإنسان لدرجة التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، أن تتجاهل الآن الجانب الإنسانى للهجرة من أجل حسابات سياسية واقتصادية تخصها؟.
دأبت أوروبا (الغربية) فى زمن الحرب الباردة على تشجيع الهجرة إليها من المعسكر الشيوعى السابق، وكانت تعتبر كل محاولة هجرة ناجحة بمثابة اعتراف بتفوق الغرب حضاريا و(إنسانيا)، فلماذا أصبحت الآن تدير ظهرها لمآسى قوارب المهاجرين أمام سواحلها؟.
منذ ذروة موجات ثورات الربيع العربى أعلن الاتحاد الأوروبى أنه استقبل مئات الآلاف من المهاجرين يمثلون أضعاف العدد الذى استقبلته أستراليا وكندا والولايات المتحدة مجتمعة، وهو أمر محمود حتى بدأت معظم الحكومات الأوروبية فى إعادة النظر فيه بسبب ضغوط الحركات اليمينية، وكان ثمن هذا الصراع فى الأفكار ترك آلاف المهاجرين غير الشرعيين يواجهون مصائرهم، أو الإيعاز إلى حكومات أخرى مثل تركيا بتحمل المسئوليات بالإنابة عن الاتحاد الأوروبى مقابل حوافز، (حصلت تركيا على أكثر من 6 مليارات دولار لإيواء المهاجرين وتساوم أوروبا باستمرار من أجل المزيد). كما عمدت أوروبا إلى تصدير الأزمة إلى أطراف أخرى عبر مؤتمرات دولية منها القمة العربية الأوروبية مطلع العام الحالى فى شرم الشيخ لمناقشة مكافحة الهجرة غير المشروعة.
اللافت للنظر أن دول أوروبا الشرقية السابقة التى عانت ويلات (الأسوار) التى عزلتها عن الغرب، نراها تتنافس الآن بقوة بعد انضمام معظمها للاتحاد الأوروبى وحلف الناتو على إقامة الجدران العازلة، والتفنن فى تسليح وحماية حدودها لمنع دخول المهاجرين، تأكيدا لاستسلام القارة العجوز لحالة متقدمة من (الشيزوفرينيا) السياسية!.
[email protected]لمزيد من مقالات شريف عابدين رابط دائم: