رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هيبة الدولة ومشروعية الحكم

إنها معادلة سياسية صعبة تلك التى تتصل بالعلاقة التبادلية بين تعزيز هيبة الدولة فى جانب والحفاظ على مشروعية الحكم فى جانب آخر، أى أنها معادلة تسعى إلى تمكين الدولة من إحداث حالة انضباط عامة وضبط إيقاع المجتمع مع الحفاظ فى الوقت نفسه على الأطر القانونية والأخلاقية المتصلة بمشروعية الحكم، إنها محاولة للتوفيق بين حد أدنى من الصرامة فى مواجهة التجاوزات وفى الوقت نفسه تكون هناك ضمانات للحريات العامة واحترام حقوق الإنسان، وفى ظنى أن الأنظمة السياسية نوعان يعتمد أحدهما على الهيبة والاحترام ويعتمد الآخر على الشعبية التى قد لا تستند إلى أسس موضوعية ترتبط بالمصالح العليا للوطن فى فترة معينة ولكنها تقوم على دغدغة المشاعر واستلهام التأييد من خلال سياسات (ديماجوجية)، وأتذكر الآن أننى ألقيت محاضرة فى معهد التخطيط القومى عام 1993 وكان الأستاذ الدكتور كمال الجنزورى هو نائب رئيس الوزراء الذى يقع المعهد تحت إشرافه وفى أثناء المحاضرة قلت عبارة دفعت ثمنها غاليًا فقد كانت العلاقات المصرية الأمريكية متوافقة وجيدة بينما العلاقات السورية الأمريكية يعتورها التوتر والشد والجذب حتى أن حافظ الأسد رفض أن يلتقى الرئيس كلينتون فى واشنطن وأصر على أن يكون ذلك فى مكان محايد فالتقيا فى جنيف، يومها قلت فى تلك المحاضرة ـ وقد أكون مخطئًا ـ إن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى مصر بحب وبغير احترام وتنظر إلى سوريا باحترام وبغير حب! ولو سألتنى اليوم أيهما أفضل فإننى أفضل الدولة المهابة عن الدولة المحبوبة، فالعلاقات الدولية ليست كالعلاقات بين الأفراد تقوم على الحب والكراهية ولكنها نمط آخر يقوم على التوقير والإحساس بقيمة الدولة ودورها السياسى بغض النظر عن الإعجاب بها أو التوافق مع سياساتها، ولو نظرنا حولنا فى عالم اليوم لوجدنا أن الهيبة تسبق المودة وأن الاحترام يتفوق على الإعجاب وأن المصلحة قبل العاطفة، فالولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال، قد لا تتمتع بشعبية دولية كافية ولكنها تستأثر بقدر كبير من الهيبة عن بعد والتخوف القائم من تراكم العمليات العسكرية التى دخلت فيها منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن كما أن دولة كبرى مثل الصين قد لا تتمتع بالمكانة نفسها ولكن لديها رصيد آخر، خصوصًا بين شعوب الجنوب فى إفريقيا وآسيا، يجعلها محل توقعات متفائلة بأن تقود العالم بعد عدة عقود رغم أن ذلك أمر ينكره الصينيون فى العلن ولا يتحدثون عنه حتى فى الحجرات المغلقة فهم يرفضون فكرة الزعامة الدولية بما تستلزمه من نفقات ضخمة تبدأ بتضحيات فى الأرواح وتمر على تكاليف الأحلاف ونفقاتها والمعونات والتزاماتها والمؤتمرات ونتائجها، وينسحب الأمر نفسه على الوزن الداخلى للنظام السياسى للدولة فقد يكون مهابًا أو محبوبًا ولكنه لا يجمع بين الأمرين فى الغالب وربما استأثر النظام الناصرى وحده فى بعض فتراته بهذه الميزة المشتركة فكانت هيبة الدولة مقترنة بشعبية النظام بسبب كاريزما عبد الناصر ولكن الأمر لم يدم طويلًا فقد أطاحت نكسة عام 1967 بالاثنين معًا ولو فترة قصيرة، نعود إلى محاضرة معهد التخطيط وما جرته عليّ من ويلات فقد استهجن المسئولون يومها ما قلت ووصل الأمر إلى رئيس الدولة شخصيًا الذى طلب أن يستمع المسئولون المعنيون فى الأجهزة السيادية العليا لتسجيل المحاضرة للتأكد من صحة ما قيل وقد انتهى الأمر بتأجيل نقلى سفيرًا لمدة عام أو ما يزيد تأديبًا للخروج عن النص والتشكيك فى هيبة النظام, معتبرين ذلك مجاملة للنظام السورى على حساب النظام المصري، ولم يكن الأمر فى يقينى بهذا المعنى من قريب أو من بعيد ولكنها ظروف الحكم وحساسيات السياسة، ولعلى أطرح هنا ثلاث ملاحظات تدور حول هذا الموضوع الحيوى الذى نناقش فيه أفضلية هيبة الحكم أم شعبيته وتأثير ذلك خارجيًا وداخليًا:
أولًا: إن هيبة الدولة لا تأتى بديكتاتورية النظام ولا بسياسة القبضة الحديدية, ولكنها تأتى من خلال درجة المصداقية التى يتمتع بها النظام السياسى والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب فضلًا عن توجه إرادة الدولة لمكافحة الفساد وحماية الحقوق وتكريس سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، وتنعكس الهيبة الداخلية تلقائيًا من المكانة الدولية التى تتمتع بها الدولة فى مواجهة المجتمع الدولى كله وهذه نقطة مهمة لأن السياسة الخارجية هى امتداد طبيعى للسياسة الداخلية.
ثانيًا: إن شعبية النظام على الجانب الآخر لا تأتى من خلال ترك الحبل على الغارب والقبول بالفوضى وضياع حقوق الفئات الضعيفة أو الطبقات المحدودة الدخل، فالفوضى هى نقيض للدولة المهابة وهى أبعد ما تكون عن الكيان المستقر كما أنها تنال من كيان الدولة بالسقوط فى مستنقع (الديماجوجية) والعبث السياسى الذى يبحث عن شعبية رخيصة لا تعطى الدولة فى النهاية قيمة داخلية ولا مكانة إقليمية ولا دورًا خارجيًا.
ثالثًا: إن الوضع الأمثل للدولة هو أن تتمتع سلطاتها الثلاث بدرجة من التوازن الكامل وأن تتحدد المهام والأعباء التى تتحملها مؤسسات الدولة مدنية وعسكرية بحيث نصبح أمام مجتمع مستقر ومصداقية عالية وثقة متبادلة بين جميع الأطراف داخل الدولة وخارجها.
هذه ملاحظات عابرة نسجلها لتأكيد حقيقة واحدة وهى أن العالم حولنا لا يحب ويكره ولكنه يحترم أو يستهين، وإذا كان الاختيار لدينا بين هيبة الدولة أو شعبية النظام فإن هيبة الدولة تسبق الجميع لأنها هى مثار الاحترام ومحل التقدير..عاشت مصر مهابة الجانب قبل أن تكون محبوبة الهوية.


لمزيد من مقالات ◀ د. مصطفى الفقى

رابط دائم: