رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العرب.. رجل العالم المريض

تستبد الحيرة وربما الذهول بالمرء وهو يتأمل منحنى التراجع العربى الآخذ فى الهبوط من نقطة لأخرى دون أن يعرف نقطة واحدة للصعود أو حتى الثبات طوال العقود السبعة الماضية. فى حقبة خمسينيات القرن الماضى بدأ مسار الدولة العربية الوطنية وهى تستقل عن الاستعمار وتسترد مقدراتها وتخطو فى تفاؤل وثقة. لم تخل الجغرافيا السياسية العربية آنذاك من بذور لقلاقل ونزاعات حرص المستعمرون القدامى على بثها قبل رحيلهم فى المغرب العربى، وشرق وجنوب الجزيرة العربية، والشام، وتم انتزاع إقليم اسكندرون السورى من جانب تركيا بملعوب مكشوف ومتواطئ من فرنسا كدولة انتداب حين انسحبت فجأة من هذا الإقليم فى عام 1939. وقبل كل ذلك وبعده كانت المؤامرة الكبرى بإصدار وعد بلفور وما تبعه من ترويج ثم تكريس أكبر عملية تزوير تاريخى بتحويل واقع وجود جالية يهودية فى فلسطين إلى إنشاء إسرائيل. لكن العرب لم يحسنوا استخدام موازين القوة لصالحهم آنذاك فكانت هزيمتهم فى حرب 1948.

فى الحقبة الثانية بدا المد القومى العربى خلال ستينيات القرن الماضى يجتاح الفضاء العربى ويشعل العواطف والعقول، ويتجاوز فكرة الدولة القطرية إلى الحديث عن أمة عربية ووطن عربى أكبر. لكن سرعان ما جاءت هزيمة 1967 لتربك الوعى العربى وتشكك العرب فيما كانوا يطمحون إليه من تطلعات وحدوية. ثم جاءت الحقبة الثالثة فى أواخر السبعينيات لتشهد عملية ارتداد على التطلعات القومية وتغيّر النظرة إلى إسرائيل والبحث عن حليف أمريكى. تعاصرت هذه الحقبة الثالثة مع التحولات الدولية الكبرى وانفراط عقد دول المعسكر الشيوعى وظهور تيارات العولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان. هنا بدا العرب مشتتين ذهنياً وحائرين سياسياً فرفع البعض منهم أحد أكبر الشعارات الشعبوية الخاوية وهى نحن أولاً.. ولم ينجح الشعار أبداً على أرض الواقع، وبدا أن ما هو أولاً لم يكن إلا أخيراً.

تزامنت الحقبة العربية الرابعة مع التحولات العالمية الكبرى فى تسعينيات القرن الماضى والتى كانت أكبر وأعقد من أن يستطيع العرب التعامل معها فأخفقوا مرتين. مرة أولى فى تطوير دولهم بما يواكب رياح التغيير العالمى باستثناء ما تحقّق هنا أو هناك من نهوض عمرانى ووفرة استهلاكية وازدهار هائل فى اقتناء السلاح لزوم حروب الإخوة الأعداء. أما المؤسسات والعقول ونظم التعليم والأفكار والثقافات والقيم فظل التطوير الحقيقى فى جزء منه شكلياً لا جوهرياً وفى جزء آخر بدا محدوداً يتقدّم خطوة ويتراجع خطوات. ثم أخفق العرب مرة ثانية فى تقديم نموذج وطنى طموح يضع الإصلاح الاقتصادى فى مكانه الصحيح ويحسن استخدام أدوات العلوم والتكنولوجيا مع بقاء أركان نظامهم السياسى كما فعلت الصين، وهى الدولة المنتجة (لا المستهلكة) التى أصبحت ثانى أكبر اقتصاد عالمى وارتفع فيها متوسط دخل الفرد من 200 دولار سنويا فى عام 1949 إلى عشرة آلاف دولار سنوياً حالياً مع بقاء الحزب الشيوعى الصينى كأحد أركان الدولة العتيدة التى لم يلحقها تغيير. وكان إخفاق العرب فى محاكاة النموذج الغربى كما فعلت كوريا الجنوبية وماليزيا والعجز عن بناء نظام نهضوى وتنموى برؤية وطنية خالصة كما فعلت الصين مصحوباً بأزمات تاريخية كبرى.

هناك أولاً أزمة التشرذم العربى المتأصل والمتواصل عبر الزمن، والذى أصبح يحتاج فى فهمه إلى تفسيرات علم النفس وعلم الاجتماع وربما قبل احتياجه إلى أى تفسير سياسى آخر. وليس أدل على ذلك من حقيقة أن عدد من قُتل من العرب بيد العرب فى صراعاتهم الداخلية يظل أكبر من عدد قتلاهم فى حروبهم مع أعدائهم. أنتج هذا التشرذم العربى أكبر عملية انكشاف استراتيجى عربى أمام القوى العالمية والإقليمية. ولم يكن تغلغل إسرائيل وتركيا وإيران فى المنطقة سوى شواهد ونتائج لهذا التشرذم العربى الذى كان طبيعياً أن يؤدى إلى ضعف ثم غياب كامل للدور العربى فى الأزمة السورية.

كانت الأزمة الأخرى هى ظاهرة التطرف الدينى الذى أصبح فى العقود الأربعة الأخيرة أحد الملامح الثابتة فى المشهد العربى مع اختلاف فى التفاصيل ودرجة المواجهة مع سلطة الدولة أو المجتمع نفسه. فى هذا التطرف الدينى تكمن إحدى العلل الخطيرة فى الجسد العربى المريض لا سيّما وهو يقوم بتدوير نفسه من تطرف إلى تعصب إلى نقمة على المجتمع، ثم إلى حالة عنف وإرهاب ليتحوّل فى أحدث تدوير له إلى تنظيمات عسكرية عابرة للحدود العربية لم تتردد فى إعلان نفسها كدولة مثل تنظيم داعش وقبله تنظيم القاعدة. بدت ظواهر التطرف والإرهاب مثل فيروسات تهاجم جهاز المناعة العربى، وقد أضعفته بالفعل بقدر ما شتت وأربكت خطط الدولة فى التنمية، وأحدثت شروخاً فى بنية المجتمع نفسه. يحدث هذا فى الوقت الذى تمضى فيه عملية تطوير الخطاب الدينى ببطء شديد، وهو أمر مفهوم لأنها عملية فقهية وفكرية وثقافية وتعليمية تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً مثابراً.

لم تعد علة التطرف والإرهاب فى الجسد العربى المريض مشكلة عربية داخلية فقط بل أصبحت مشكلة عالمية أيضاً لا سيّما ابتداء من تفجيرات 11 سبتمبر وما لحقها ويلحقها حتى اليوم من تفجيرات واعتداءات إرهابية فى أماكن أخرى فى العالم. لم يكن الإرهاب فى الحقيقة سوى العرض الظاهر الأشبه بالطفح الجلدى لفيروس التطرف والتعصب الكامن فى الجسد/العقل العربى منذ قرون طويلة. وسواء كان هذا الفيروس مرجعه غلبة التأويل الدينى الخاطئ لصحيح الدين الإسلامى، أو نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فى المجتمعات العربية، أو بفعل التوظيف السياسى الأجنبى فالنتيجة واحدة فى نهاية المطاف وهى أننا بصدد مريض عربى ما زالت حالته تستعصى على الشفاء أو بالحد الأدنى على العلاج.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: