الوعى يعنى التنبه، اليقظة، المعرفة، الإدراك الذى يجب أن يتحلى به المواطن. وتفرق دائما أدبيات المواطنة بين المواطن الفاعل، أى المستيقظ المنتبه، والمواطن الخامل الذى يفتقر إلى النشاط، والهمة والفهم، والقدرة على مواجهة التحديات.
هناك خطاب متزايد يراهن على وعى المواطن فى مواجهة مخاطر عديدة تحيط بالمجتمع، مثل الشائعات، وبث الفرقة، وتبديد الثقة فى المؤسسات العامة، وخلق فجوة متعمدة بين المواطن والدولة. وهى بالفعل ظواهر خطيرة فى مجتمع تعتصره أوضاع اقتصادية صعبة، ويعانى مشكلات فى التعليم والثقافة والإعلام. دون شك وعى المواطن مطلوب، بل يكاد يكون هو حائط الصد الأخير للحفاظ على الوطن إزاء القوارض التى تريد أن تتغذى على وحدته، ولكن هذا الوعى يجب أن يتشكل، ويتبلور عبر عملية بنائية، وليس من خلال عملية الحشد العاطفى. هنا تبدو مفارقة ينبغى أن نتوقف أمامها. الوعى الحقيقى يحتاج إلى وقت وخطة، ويبنى تراكميا من خلال التعليم والثقافة والتدريب ونقل الخبرات، لكنه فى نهاية المطاف يفرز شخصية متكاملة، قادرة على الحكم على الأمور، واتخاذ القرارات، والتفكير بعقلانية فيما يصل إليها من آراء مغلوطة وشائعات. أما الحشد العاطفى فهو لا يحتاج إلى زمن طويل، أو إمكانات تعليمية، كل ما يتطلبه هو مؤثرات إعلامية، وسياسية، ذات طبيعة موسمية تستغرق بعض الوقت، ثم يتبخر تأثيرها، وتجعل الجماهير دائما فى ملعب الإثارة، ويعرضها للتلاعب من جانب أى جهة أو فصيل، طالما أن حصانة الوعى غير متوافرة فيها، واللعب على أوتار المشاعر هو الأسلوب المتبع.
من هنا فإن التكوين يحتاج إلى وقت وجهد لكن نتائج أفضل من الاعتماد على الإثارة العاطفية، التى لا تدوم طويلا فقط، ومما يؤكد أن قضية الوعى ترتبط بتكوين المواطن هو تشعب مناحى الوعى، وتفرقها، وجميعها تحتاج إلى عملية تكوين مستمر، دون الاعتماد على إثارة الانفعال اللحظى للمواطن. هناك أزمات فى الوعى السياسى، والبيئى، والثقافى، والاقتصادى، نجدها فى العديد من المشكلات اليومية، سواء فى سوء استخدام الموارد، أو عدم الإدارة الرشيدة أو التنظيم، وعدم مراعاة الاشتراطات البيئية، والإساءة إلى القواعد العامة، الخ. جميعها مشكلات تتصل بغياب الوعى أو تزييفه، لا فرق بين شخص ينساق وراء شائعة، يرددها ويعزز انتشارها، وآخر يهدر المياه، أو يحطم منشأة عامة، أو يضرم فيها النيران، أو يلقى المخلفات فى الشارع.
إذن الوعى مسألة متداخلة ومتشابكة تتجاوز الخطاب السياسى التعبوى، وترتبط فى الأساس بالتكوين الذهنى والنفسى والثقافى للمواطن من خلال التنشئة، تعليما، وثقافة، وإعلاما.
أولا: التربية على التفكير النقدى بحيث يكتسب المواطن منذ الصغر القدرة على التفرقة بين الصواب والخطأ، وانتقاء الأفكار، والدفاع عن الرأى الصحيح. هذا يتطلب تعليما يقوم على التفكير النقدى، خلافا للتعليم الذى يستند إلى أسلوب التلقين، وينتج عنه ذهنا تابعا، يعتمد على من يملأه بالأفكار، الغث والثمين، لا يفرق بينها، ولا يملك القدرة على تحديد نظرته فى الحياة. أزمة التعليم الذى يقوم على التلقين أنه يعد المواطن للتطرف جميع صوره، طالما أنه تعود أن يسمع ويحفظ دون تفكير أو إعمال للعقل.
ثانيا: العدالة الثقافية، وتعنى زيادة حظوظ المواطنين من الثقافة، خاصة الذين يعيشون فى مجتمعات خارج العاصمة والمدن الكبرى، هؤلاء من حقهم أن تصل إليهم الخدمات الثقافية على تنوعها، وتصبح لديهم القدرة على بناء الوعى الثقافى، وتحديد موقفهم من العديد من القضايا بناء على معرفة وفهم، هذه مسئولية الحكومة والمجتمع المدنى بل والقطاع الخاص الذى يقدم خدمات ثقافية أن يضع فى اعتباره قضية العدالة الثقافية باعتبارها أحد مظاهر النهضة الثقافية.
ثالثا: نشر الثقافة العلمية، والابتعاد عن الأفكار التى تعتمد على التواكلية. هنا يأتى دور بعض الخطابات الدينية، أو الثقافة الشعبية، التى تبعد المواطن عن التفكير العقلانى، وتقود إلى التسطح الذهنى الذى يسمح بتغلغل أفكار التطرف، والشائعات، وغياب الأمل. نقيض ذلك، هو التفكير العلمى، بما فى ذلك التطبيقات البسيطة فى الحياة التى يتعلم من خلالها المرء ثقافة النقاش، والقدرة على حل المشكلات، وتنمية المهارات، والقدرة على اتخاذ القرارات فى الحياة الخ.
رابعا: المشاركة الشعبية، التى تتيح للمواطن الحضور فى الشأن العام، حتى لو كان على المستوى المحلى، معرفة الحقائق على الطبيعة، البحث عن إجابات على أسئلته، والمساهمة فى تطوير نوعية الحياة التى يعيشها، هذا أفضل ذ فى رأيي- من مجرد الاستماع إلى حديث فى ندوة أو برنامج تليفزيونى أو خطبة دينية.
من هنا فإن الحديث عن التوعية مسألة مهمة، لكل من الوطن والمواطن، خاصة فى ظل انشغال المواطنين، وتسارع عجلة الحياة، وعدم القدرة على التفكير فى حركة الأحداث. ولكن يتطلب ذلك تكوينا ذهنيا وثقافيا أكثر ما يحتاج إلى أساليب تعبوية، سياسية أو إعلامية، لأن تأثير التكوين أكثر استدامة من الحشد قصير النفس.
لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى رابط دائم: