بدايةً ثمة صلة مؤكدة لا تخفى بين حقوق الإنسان ومكافحة الفساد. إذا اعتبرنا أن مكافحة الفساد تعنى الشفافية والحوكمة والحفاظ على المال العام والمساواة والتنمية والعدالة الاجتماعية، فكل هذه فى الواقع هى حقوق للإنسان. كما أن حماية حقوق الإنسان هى ضرب من ضروب مكافحة الفساد وتكريس دولة القانون. والواقع أن لدينا فى مصر مجلسا قوميا لحقوق الإنسان مضى على إنشائه خمسة عشر عاماً حتى الآن. ولدينا أيضاً اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد التى أُنشئت منذ تسع سنوات. وخلال كل هذه السنوات، وقبلها، يكاد يصبح الحديث عن حقوق الإنسان ومكافحة الفساد مادة يومية مثيرة للجدل واللغط، فالشكوى لا تنقطع والناس لا ترضى، وهذه حالة مفهومة لأن الشعوب بطبيعتها تنزع إلى الأفضل. يُضاف إلى ذلك أن مسألة حقوق الإنسان على وجه الخصوص أصبحت محل اهتمام دولى لاعتبارات كثيرة، وهى فى هذا لا تخلو من التوظيف السياسى، وهذا واقع يجدر الاعتراف به حتى لو بدا لنا هذا التوظيف السياسى مغرضاً وغير برىء أحياناً لأننا نحتاج لأن تكون صورة بلادنا طيبة فى الخارج بقدر حاجتنا لأن تكون صورتنا أمام أنفسنا طيبة هى الأخرى.
والحاصل اليوم أن هناك مؤسسات وطنية تعمل فى مجال حقوق الإنسان ومكافحة الفساد والمؤكد أنها قطعت أشواطاً فى اكتشاف مظاهر الأزمة وتشخيص مواطن القصور لكن وجودها ما زال يحتاج إلى رؤية جديدة تحدث نقلة نوعية فى خطط وسياسات الدولة فى هذا المجال. فهل تمثل فكرة إنشاء وزارة لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد مجرد إضافة بيروقراطية جديدة وازدواجية لا داعى لها مع المؤسسات القائمة أم أن هناك ما يبرر بالفعل حاجتنا إلى مثل هذه الوزارة؟
لو بدأنا بملف حقوق الإنسان فإن المجلس القومى المنوط به هذا الملف أصبح اليوم مؤسسة كبيرة استكملت تأسيسها الهيكلى والإدارى والفنى وأصبحت تملك فيما أعتقد منظومة كاملة من العمل يقوم عليها موظفون أكفاء وخبراء محترفون، وذلك وبصرف النظر عن تقييم آخر فيما حققه من إنجاز. لكن المجلس ما زال يواجه مشكلتين أولاهما افتقاد التنسيق مع الجهات التنفيذية فى الدولة المعنية بالشكاوى التى تصل إليه، فضلاً عن أن المجلس نفسه لا يتمتع حتى الآن بصلاحيات تنفيذية كان يمكنها تعويض غياب أو ضعف التنسيق مع الجهات التنفيذية فى الدولة. أزعم وقد كنت عضواً بالمجلس لست سنوات فى بداية تأسيسه أن جزءاً كبيراً من الشكاوى التى تصل إليه كان يمكن أن تجد طريقها إلى الحل بسرعة وفاعلية أكبر لو كان هناك درجة أعلى من التنسيق والتواصل مع الجهات التنفيذية فى الدولة. المشكلة الثانية التى تواجه المجلس ولا أظن أنها ستبقى كذلك فيما لو أُنشئت وزارة لحقوق الإنسان هى غياب الرؤية السياسية التى تعيد طرح وتصحيح المسألة الحقوقية فى مصر. فالرؤية الجديدة التى نحتاجها لإحداث تطوير نوعى فى التعامل مع قضايا حقوق الإنسان تبدأ من اكتشاف مساحات منسيّة وممكنة لحلول مشكلات حقوق الانسان الاجتماعية والاقتصادية. هناك مشكلات أخرى كثيرة تتعلق بإهدار مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص يضج الناس بالشكوى منها مع أن حلها لا يحتاج سوى لتحريك مياه راكدة فى هذه المؤسسة أو تلك. بل إن جزءاً من المشكلات الخاصة بالحريات وأوضاع المسجونين والتشريعات ذات الصلة التى تحتاج إلى تطوير لا تستعصى على الحل فيما لو توافر لها جهاز تنفيذى قوى وكفؤ. وجود وزارة لحقوق الإنسان يمكنها التعامل بفاعلية وحسم فى القضايا الحقوقية مع مؤسسات وزارية موازية لها خطوة مطلوبة. وليس هناك ما يمنع من أن يصبح المجلس ذراعاً استشارية للوزارة أو وفقاً لأى تصوّر آخر. ولعلّ إنشاء مثل هذه الوزارة يكون فرصة «لمأسسة» العديد من الأفكار والمبادرات واستحداث إدارات وآليات لحماية المساواة، وتكافؤ الفرص، والمواطنة، والعدالة التصالحية، وحماية الأسرة، وفض المنازعات سلمياً..الخ
أما فيما يتعلق بملف مكافحة الفساد فمن الممكن أن يمثل الجناح الثانى للوزارة. بالطبع لدينا حالياً أجهزة للتقصى والرقابة والملاحقة، وقد بذلت فى الفترة الأخيرة جهوداً هائلة فى كشف وقائع فساد ربما لم نشهد مثلها فى العقود الأخيرة. لكن لإنشاء وزارة لمكافحة الفساد من ناحية أولى رمزية ورسالة لا تخفى، وهناك وزارة لمكافحة الفساد فى العديد من الدول. وليس ثمة ما يمنع من وجودها ولو بشكل مؤقت فى مرحلة زمنية معينة كما كان لدينا وزارة للسد العالى فى يوم من الأيام. ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون مثل هذه الوزارة جهازاً حكومياً للتنسيق بين كل المؤسسات المعنيّة بمكافحة الفساد. والواقع أن الدور المأمول من وجود وزارة لمكافحة الفساد بأدوات تنفيذية وسياسة حكومية يمكن أن يحقق ما لم تحققه اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد التى يقتصر اختصاصها على جوانب بحثية واستشارية، وعرض وجهة نظر مصر فى المحافل الدولية، وتفعيل أحكام الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الفساد التى انضمت إليها مصر. والواقع أن مكافحة الفساد أكبر وأعقد من أن يُعهد به إلى لجنة لأن الفساد لا يقتصر على الإدارات العمومية فقط بل يرتع فى جنبات المجتمع نفسه وبعض دهاليز القطاع الخاص. خذ مثلاً الفساد الذى يتسرب من عدم تفعيل قانون حماية المستهلك، وتواضع إمكانات جهاز حماية المستهلك.
لنعترف بأنه فى هذا المجتمع أفكار ومبادرات لا بأس بها، ومنها ما يتعلق بمكافحة الفساد، المشكلة تكمن دائماً فى الطريقة التى تتعاطى بها اللجان المنوط بها أمر هذه الأفكار والمبادرات. ففى مثل هذه اللجان أو المجالس منزوعة الصلاحية التنفيذية يتحول العمل إلى مجرد نقاش وتوصيات تضل طريقها إلى التنفيذ. ومن هنا كانت المقولة الشهيرة وإذا أردت أن تهمل قضية أنشئ لها لجنة. واللجان على ما تضم أحياناً من عقول وكفاءات تظل على قدر الصلاحيات التنفيذية الممنوحة لها. الفكرة الجامعة فى استحداث وزارة لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد أنها تبعث رسالة مؤداها أن الدولة تضع هذين الملفين على قائمة أولوياتها وسياساتها الحكومية. تلك خطوة أخرى على طريق نهوضنا الطويل.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: