ليست السياسة دائما مصالح، لكنها فى الأساس مسئولية يشارك فيها كل أطراف المجتمع بهدف صناعة الأمل. وقد اختار جوناثان ساكس من سياسات الأمل عنوانا لكتابه. يبعث مصطلح الأمل على الإحساس بالرخاء المستقبلى، وهو نقيض كلمة الإحباط التى تسطر شعورا عميقا بقلة الحيلة، وغياب الفرص. فى مؤتمر عقد بجامعة ورك البريطانية فى يونيو الماضى كان عنوانه سياسات الأمل: احياء حلم الديمقراطية والتنمية، ومن ضمن ما خلصت إليه النقاشات أن الشعوب ـ فى كل استطلاعات الرأى العالمية- لديها أولويات ثلاث: حكومة نزيهة تستجيب إلى مطالبهم، وتعليم جيد، وصحة جيدة، وهو ما يعنى أن الناس لم تعد تنظر فقط إلى التنمية- بمعنى رفع مستوى المعيشة، وتطوير نوعية الحياة- ولكن تبحث عن الديمقراطية، والحكم الرشيد، باعتبارهما وثيقى الصلة بالتنمية، ومن خلال هذا المثلث تتحقق سياسات الأمل.
يعرف التاريخ الاثنين معا سياسات ضد الأمل وسياسات الأمل.
هناك سياسات مناهضة للأمل، نجدها فى الفاشية والنازية والأحزاب اليمنية، والشعبوية الصاعدة، فى السلطوية العنيفة، وإثارة النزاعات الإثنية والعرقية والدينية، واتخذت من هذه الانقسامات الاجتماعية السياسية إحدى الوسائل الأساسية لبناء الشعبية، وما صاحبها من خطابات إعلامية سلبية لها وقع سلبى على الناس. وهناك من الساسة من تبنى سياسات الأمل، سواء فى الدعوة إلى التنمية والبناء، العلم والتكنولوجيا، الصناعة والتحديث، حرية الرأى والمشاركة، تحقيق المواطنة لكل فئات المجتمع دون تفرقة بسبب عرق أو ثقافة أو دين أو مذهب أو ما شابه، ويلعب الإعلام دورا مهما فى تأكيد وعى الناس بالأمل، سياسيا واجتماعيا، وفتح منافذ المشاركة أمامهم. وقد يكسب الساسة معارك قصيرة الأجل سواء بإثارة الذعر من الآخرين والوعد بتحسين الاقتصاد، وهو ما حدث مع الموجة الشعبوية الصاعدة فى الولايات المتحدة وأوروبا، لكن هذه المكاسب لن تستمر، لأن الضمير العالمى تشكل على مدار عقود طويلة من قيم التنوير، وحرية الرأى، واحترام الحقوق الثقافية أو ما يطلق عليه العلمانية بمعناها الشامل. تحتاج المجتمعات العربية إلى سياسات الأمل، ولم يعد من الممكن تبنى سياسات ضد الأمل تحت أى مبرر، وهو ما سبب الغضب فى دول كثيرة مثل العراق ولبنان وقبلهما فى الجزائر والسودان، وغيرها من الدول التى شهدت الحراك الشعبى فى أواخر عام 2010، واستمر لفترة بعد ذلك، أيا كانت النتائج التى آل إليها، فقد بدأ بشعور شعبى يبحث عن الأمل، وانتهى بوجود قوى سياسية سعت إلى قتل الأمل سواء بالصراع على السلطة، أو توظيف الدين فى السياسة، أو انتاج أشكال من الصراعات على أسس عرقية أو دينية، وتفشى العنف والإرهاب. وتشير التقديرات الاقتصادية فى العالم العربى إلى أن أكثر من 60% من السكان فى سن الشباب، ومعدلات البطالة فى تزايد، وسط غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار. يرافق ذلك برامج إصلاح اقتصادى، وسياسات تقشف، وتخفيض الدعم. ومما يعمق من الشعور بالأزمة لدى قطاعات عريضة من الشباب العربى تفشى الأمراض السياسية من طائفية، ومحاباة، وفساد، وتراجع المعايير الموضوعية فى الإدارة. هذه الحالة الملتبسة تعم المنطقة العربية، وتجد من يوظفها فى انتاج سياسات ضد الأمل. الدرس المستفاد، والذى لا تخطئه عين، أن الرهان الحقيقى ينبغى أن يكون على الدولة، فهى الأمل بالنسبة لهذه المجتمعات، وأى تضحية بها، أو قبول الإساءة إليها هو اصرار على السير فى الطريق المعاكس. لم يتقدم مجتمع إلا بالدولة، ولم يواجه مجتمع اخطار العنف والإرهاب والجريمة والفقر والمرض إلا بوجود دولة قادرة على حماية مواطنيها، وحكومة نزيهة، مسئولة، تخضع للمساءلة، وتستجيب لمطالب مواطنيها. الدولة التى تصنع الأمل لها سمات، منها المواطنة، المساءلة، النزاهة، احترام حقوق مواطنيها، كفاءة الجهاز الإدارى، مواجهة الفساد، الاهتمام بالتنمية البشرية من تعليم وصحة وتدريب، وتعزيز المشاركة الشعبية فى جميع مناحى المجتمع، وليس فقط فى السياسة.لا يجب أن يفقد الناس الثقة فى الدولة. هذه نصيحة كل الباحثين الذين انشغلوا بهذا الملف. نذكر منهم بيتر ايفان وفرنسيس فوكوياما، ونزيه الأيوبى، وجمال حمدان، وشفيق غربال، وغيرهم. لم يعاد الدولة سوى فصيل متطرف دينيا يحلم بالأممية التى تلغى الأوطان، أو فصيل متطرف سياسيا يرى فى مؤسسات الدولة عائقا أمام مشروعه الفوضوى، وذلك على الرغم من أن غياب الدولة أو ضعفها يجعل الأوضاع كارثية، ويعرض حياة المواطنين لأخطار كبيرة. هذا ما يجب أن يعرفه الشباب العربى، ويدرك مغزاه فى وجه دعاوى الفوضى، والمقامرة السياسية، فلم ينصلح حال شعب تداعت دولته، أو وهنت، والأمثلة على ذلك كثيرة، مثل الصومال وسوريا وليبيا، ولكن الدولة التى نريدها، ونسعى إليها، هى الدولة التنموية الحديثة التى تقوم على الديمقراطية، وحرية الرأى، والمشاركة، والحفاظ على التنوع الدينى والثقافى، والتصدى للإرهاب والتطرف والعنف، تبنى مؤسسات قوية، وترسى دعائم العدالة والاستقرار.
لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى رابط دائم: