أسفرت الانتخابات الرئاسية فى تونس منذ أيام عن فوز قيس سعيد الأستاذ الجامعى بحصوله على 72.7% من أصوات الناخبين. مدعوما من حزب النهضة الإسلامى، لا سيما فى جولة الإعادة، لكنه معارض للمساواة بين المرأة والرجل فى الميراث. مدعومٌ أيضاً من العلمانيين لكنه من المؤيدين بشدة لعقوبة الإعدام. مدعومٌ من التيار الليبرالى المحافظ لكن حديثه المتكرر عن عدالة القضية الفلسطينية يجعله أقرب للعروبيين واليساريين. فهل تعبر هذه المواقف عن تناقضات أم أنها نوع من التوفيق بين اقتناعات ومبادئ عابرة للتصنيفات السياسية التقليدية؟. فى كل الأحوال ثمة ما هو جدير بالملاحظة فى الحالة التونسية عموماً وفى حالة انتخاب الرئيس الجديد قيس سعيد على وجه الخصوص.
هناك أولاً ملاحظة مثيرة للتأمل أفرزتها الانتخابات الرئاسية الأخيرة فى العديد من الدول وهى وصول أشخاص لمنصب الرئاسة من غير الوجوه السياسية المتمرسة، وبعيداً عن الجهاز البيروقراطى للدولة ومن خارج إطار أى أحزاب أو تنظيمات سياسية. وهذا يعنى أن المؤسسات الحزبية كإحدى آليات الديمقراطية الغربية المعاصرة تبدو فى أزمة، ولم يعد زعماؤها يحظون بالثقة الشعبية التى كانوا يتمتعون بها تقليدياً فيما مضى. لم يعد ما يُسمى بالخبرات السياسية والتنفيذية عاملاً حاسما فى اختيار الناخبين ولا دليلاً بالضرورة على توافر الكفاءة. ولم يكن قيس سعيد هو أول هؤلاء وربما لن يكون آخرهم. فقد فعلها الرئيس الأمريكى ترامب فى أكبر سابقة لرجل عديم الخبرة السياسية السابقة ولم يسبق له أن تولى منصباً تنفيذياً واحداً فى دولاب إدارة الدولة. وبعده بعامين جاء الرئيس الفرنسى ماكرون إلى قصر الإليزيه من بوابة العمل المصرفى ولم يكن قد دشّن بعد حركته السياسية إلى الأمام سوى قبل شهور من ترشحه للرئاسة..
وليست ظاهرة الملل الشعبى من الأحزاب التقليدية بل التمرد عليها بعيدة عما يحدث فى لبنان منذ أسبوع، فقد فاجأ اللبنانيون أنفسهم قبل أن يفاجئوا العالم وهم يثورون على نظام حزبى طائفى متغلغل بشدة وعمق فى الحياة السياسية اللبنانية. وهو ما يجعل مما يحدث الآن فى لبنان الشقيق حدثاً خارج كل التوقعات إذا قُدر له أن يستمر. نحتاج إذن إلى التفكير فيما إذا كانت هذه الظاهرة مجرد استثناء عابر، ولن تلبث المؤسسات الحزبية أن تسترد دورها أم أن الرئيس التونسى الجديد الذى أمضى عمره فى الحقل الأكاديمى يؤذن بظاهرة تحول حقيقى فى مزاج الناخبين على الأقل فى المنطقة العربية. والسؤال الأهم هو ما الذى أوصلنا إلى هذه الظاهرة؟ فلنعترف أولاً بأن الأحزاب السياسية والفكر السياسى التقليدى القائمين منذ فترة طويلة على تصنيفات اليمين واليسار والوسط وما يُشتق من هذه التقسيمات ربما يكون قد تجاوزه العصر. اليوم ثمة تطورات وظواهر وتعقيدات لم يكن يعرفها العالم منذ عقود مضت. القائمة تطول من تراجع اليسار العالمى وأفول حركة الاشتراكية الدولية، ومخاطر المناخ، وقضايا البيئة، والفضاء السيبرانى، والإرهاب، وعودة العنصريات الدينية والثقافية، وفشل النظام الرأسمالى فى تحقيق سعادة البشر حين نعرف أن 1% من البشر يحوزون 82% من ثروة العالم وفقاً لتقرير منظمة «أوكسفاد» عام 2017. هذا المشهد المعاصر كاشف عن حالة من الارتباك الفكرى والسياسى والثقافى أفرز شيئاً أقرب إلى تدوير الأفكار فكان (الهجين) الفكرى العابر للأيديولوجيات هو الحل، ولهذا بدا صعباً تصنيف الرئيس التونسى الجديد قيس سعيد ففى خطابه شيء من العروبة وشىء من الانتماء الإسلامى (فى موقفه من قضية الميراث) وشيء من الليبرالية وشيء من العدالة الاجتماعية. ما يفسر ويؤكد أن الأحزاب السياسية فقدت بريقها القديم أنها لم تعد قادرة على تقديم الكثير للشباب والمهمشين والفقراء والعاطلين حتى على مستوى الحلم والإلهام. فقد تمحورت مطالب الشباب المتظاهر فى لبنان حول فرص العمل، والمعاناة المادية بسبب أعباء التعليم الخاص الذى يكاد يمثل القاعدة التعليمية فى لبنان، وانتشار الفساد والمحسوبيات، والتوارث الطائفى فى الزعامات والمناصب حتى أصبحت المواطنة هى الكلمة الأعلى صوتاً والأكثر ترديداً فى مظاهرات اللبنانيين.
الملاحظة الثانية مبعثها خصوصية الحالة التونسية. فالتغيير فى تونس كان قضية داخلية بالأساس وقد حسمها التونسيون بأنفسهم. أما فى الحالة المصرية فإن القوى الإقليمية والدولية كانت تقف على أطراف أصابعها وهى تراقب الأحداث فى مصر التى تكاد تمثل قطعة «الفيل» على رقعة شطرنج الصراع السياسى فى المنطقة والعالم، و«الفيل» فى لعبة الشطرنج له خصائص استراتيجية فريدة فى إعاقة تقدم البيادق. الأمر فى تونس مختلف باعتراف التونسيين أنفسهم فتونس ليست فى قلب الاستهداف الخارجى لهذا استطاعوا تجنيب بلدهم لعبة الاستقطاب الدولى ومن أفكار الأممية الإسلامية فى آن معاً.لا ننسى فى نهاية المطاف أن قيس سعيد نموذج لأكاديمى نخبوى مثقف يعبر عن أفكاره بطلاقة وتمكن مع انه لم يحمل درجة الدكتوراه! هذا يعنى أن نظام التعليم فى تونس يجنى اليوم ثماره بلا مئات الألوف من درجة الدكتوراة(!) وشخصية قيس سعيد هى إحدى ثمار هذا النظام التعليمى.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: