أسوأ ما فى ظاهرة التسول، التى هى بشعة فى أصلها وفى كل تفاصيلها، أن يمارسها الأطفال، وهم فى سنوات ما قبل الإدراك، فينشأ الطفل على أنه من الأفضل له لدى مَن دفعوا به أن يجلب لهم أكبر إيراد، حتى إذا تمسكن وتباكى واستدر عطف الناس بأنه جوعان وبردان، بل إنهم يجبرونه على ادعاء كل هذا، فينشأ دون أن يكتسب ما يجب أن يُغرَس فى وجدان الطفل فى المجتمعات المتحضرة، بالاعتداد بالنفس وبالكرامة الإنسانية، كما أنه يُحرَم من تجريب المتع التى يجب على الطفل أن يتذوقها فى الاستمتاع باللعب وحب التعلم وإرضاء معلميه بتفوقه فى دروسه، ليضع أقدامه الغضة على أول طريق أن يصير مؤهلا لأداء ما هو مطلوب منه عندما يشب ليكون عضوا مشاركا فى مجتمع يبغى ارتقاء سلم الحضارة.
الطفل المتسول يسير فى الاتجاه العكسى، فلا يتعلم كيف يكون منتجاً فى أى مجال، بل يسعى إلى المكسب دون جهد، ويستسيغ هذا، بل يسعد بأنه أكثر ذكاء لأنه يتحصل على دخل أكبر ممن يكدون، اضف أيضاً أنه منذ الصغر ينمى مهارة الإفلات من شرطة الأحداث، فلما يكبر قليلا على المسار المنطقى لبداياته ويجنح ضد القانون يكون لديه خبرات التعامل مع الشرطة الجنائية!
لا يمكن أن تقنع المتسول الذى يتكسب من تسول أبنائه أن يتجاوب مع المشروع الوطنى لتحديد النسل، لأن نجاح بيزنس التسول، الذى يعتمد على كثرة المتسولين، يتناقض مع مشروع الدولة، فى ظل مجتمع يتجاور مع هدر قيمة العمل ويجد مبررات، وأحياناً دوافع، لمساعدة المتسولين، برغم الحقائق المؤكدة الرائجة عن مكاسبهم الخرافية وعن مدعى الإصابات والعاهات. لذلك، فإن الصدقات والهبات التى يحظى بها المتسولون هى أهم حلقة فى نجاح مشروع التسول، ولن يجدى أى تجريم للتسول، ولا أى برامج تتوهم أنه يمكن إقناع المتسولين بالكف. وأما مطاردة السياح فى جولاتهم فهى أوضح تناقض بين مشهدى أجداد خلفوا هذه الآثار العظيمة وبين الأحفاد الذين يتسولون! فأى انطباع يخرج به السائح من المشهدين؟!
[email protected]لمزيد من مقالات أحمد عبدالتواب رابط دائم: