يرتكب بعض هواة السياسة برومانسيتهم أخطاء بحجم الفيل ولا يدركون أنها يمكن أن تدهسهم، ويصرون على الاكتفاء بالنظر تحت أقدامهم، وكأن العالم مجبر على أن يحصر حركته فى مدى رؤيتهم! مثلا، هم يخلطون بين ما يجب التصدى له من العنف الذى يمارسه بعض المنحرفين فى الشرطة، ولا يرضيهم أنه يمكن فى بعض الحالات إنزال العقاب على المخطئ، ولكنهم بدلا من تطوير أدائهم لتعميم القاعدة بإصلاح جذور ما يشكون منه يصلون إلى نتيجة غريبة فينادون بإلغاء جهاز الشرطة، ولا يقلقهم المرحلة الانتقالية حتى تتحقق أحلامهم فيما هو أفضل! وهذا كما أنه ليس له علاقة منطقية بالمقدمات التى ينطلقون منها، فهو لا يتبصر تبعات ما يطلبونه إذا ما تحقق، حيث ترتع العصابات المنظمة وغير المنظمة، وحيث تسعد الجماعات المخربة التى لا ترتدع إلا بوجود الشرطة، وحيث، باختصار، تتدهور الأحوال إلى أسوأ مئات المرات مما يشكون منه!
وأما الخطأ المحبب إلى قلوبهم الذى يلحون بطرحه بوهم أنه يعزز رؤيتهم، دون انتباه إلى أنه يتناقض مع موقفهم الذى يقولون إنه مبدئى عند تسفيههم لأى مشروع وطنى، بقولهم إنه لا قيمة لأى مشروع فى وقت لا تتحقق فيه حقوق الإنسان وأهمها لديهم الحق فى التظاهر، إلا أنهم، وفى الوقت نفسه، يعربون عن انبهارهم بالتجربة الصينية فى التنمية، ويطالبون بنقلها إلى مصر، وكأنهم يجهلون أن الصين مصنفة كأول دولة فى العالم فى انتهاك الحريات وفى تطبيق عقوبة الإعدام، وفى قهر المتظاهرين..إلخ! ولكنهم لا يقولون ماذا سيكون موقفهم إذا جرى نقل تجربة التنمية الصينية بملحقاتها!
يمكن أن تتحدث أيضا عن قصر رؤية بعض هؤلاء للحريات الدينية على احتجاجهم على الظلم الذى يعانيه بعض المسلمين فى بعض الدول، وهو موقف حضارى عظيم، ولكن شريطة أن يكون وفق صورة أعم تطالب بمنع الظلم على أصحاب كل الأديان فى كل الدول، ولكنهم يغمضون أعينهم عن الظلم الواقع على غير المسلمين فى بلادهم، بل إنهم قد يشاركون، بالصمت وبغير الصمت، فى زيادة هذا الظلم.
[email protected]لمزيد من مقالات أحمد عبد التواب رابط دائم: