رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الميول الانصرافية...دالة التوقف والانتظار

ليس من عادات الشعب المصرى الانصراف عن أداء مصالحه، فالنمط التقليدى للإنسان المصرى، زارع الأرض، هو الاستيقاظ فى الصباح الباكر، والاتجاه إلى الحقل (مكان عمله)، وبذل قصارى جهده طيلة النهار لكى يرى زرعه يانعاً؛ كما أنه من أكثر الشعوب تمسكاً بوطنه وبأرضه، التى ربطها فى تراثه الشعبى بالعرض؛ كما أنه لا ينصرف قط عن أسرته وعائلته ومكان نشأته، فهو باحث دائم عن ملاذ فى الأسرة، وفى العائلة الأوسع، بحيث تأتى الأسرة والعائلة والأرض فى مقدمة الأولويات التى ينبنى عليها أنساق القيم. تبقى كل هذه الخصائص محفورة فى خلفية ذاكرتنا ونحن نلاحظ أنماطاً من السلوك الانصرافي؛ حيث نجد أن الأفراد ينصرفون انصرافاً شديداً عن كل ما هو عام، فى مقابل انشغالهم الشديد بكل ما هو خاص. وهى ملاحظة لابد أن تثير القلق لدى علماء الاجتماع خاصة، لأنها تعمل على المدى الطويل ـ وربما القريب أيضاً ـ على إجهاض حالة التجانس والانسجام فى بناء النسيج الاجتماعى، والعلاقة بين مستويات الإدارة المجتمعية والسياسية وبين المجتمع، وتفقد المجتمع قدراته التواصلية.

وقد يكون مفيداً عند هذه النقطة أن نرصد بعض مظاهر الميول الانصرافية عبر القطاعات المختلفة فى الحياة. لنبدأ من القطاع الأكثر تحكماً فى المجالات الاستثمارية، أقصد قطاع ريادة الأعمال، سوف نلاحظ هنا أن جل الأفعال الاستثمارية يتجه نحو تجميع الثروة ونقلها وليس إنتاجها، بحيث تؤدى المشروعات الاستثمارية إلى تراكمات للثروة فى أيدى أصحابها، دون إضافة حقيقية لثروة الأمة. فمعظم المشروعات الاستثمارية عبارة عن صناعات تجميعية أو تحويلية أو تجارية استهلاكية لا تنتج ثروة مضافة، والخدمة العامة التى يمكن أن تقدمها هى فقط إتاحة بعض فرص العمل أمام الشباب. ويعد هذا إسهاماً فى حد ذاته، ولكنه ليس إسهاماً كافياً. فالاستثمار الذى ينتج من قدرة على التفكير الرشيد والتنافس من أجل رخاء الأمة (هكذا يقول آدم سميث) يصبح قادراً على خلق قاعدة للصناعة والتجارة، وقاعدة للبحث والتطوير، الذى ينتهى فى آخر المطاف إلى خلق أمة قوية قادرة على أن تنقل التنافس من المجال المحلى إلى المجال العالمى، هنا يتوحد الفعل الاستثمارى الرشيد مع أهداف الأمة.

وإذا انتقلنا إلى أسفل صوب قطاعات عريضة من أبناء الطبقة الوسطى؛ فإننا سوف نصادف ألواناً مختلفة من الانصراف. تتكون هذه الطبقة من شرائح مختلفة تتباين فى الدخل والمهن والأنشطة الاقتصادية، وهى تشكل نسبة كبيرة من سكان المجتمع. ولم تعد هذه الطبقة متجانسة كما كان حالها من قبل، بل تعرضت من الداخل لصور من التباين على أثر الاختلاف فى الدخل والمهنة وأساليب الحياة والفرص المتاحة أمام الأشخاص. ولقد انشغلت هذه الطبقة بالقضايا العامة لفترات طويلة من الزمن الحديث، ولكنها أصبحت تنسحب مما هو عام بالتدريج، وبدأت تدخل فى أشكال من النزعة الانصرافية. فالكثير من أبناء هذه الطبقة ينشغل انشغالاً كبيراً بالأسرة، وبالتركيز على تعليم الأبناء، وضمان مستقبلهم المهنى والمادي, ويبدو أن هذا سلوك انصرافى عام داخل الطبقة. ولكن إذا تحركنا عبر السلم الاجتماعى والثقافى فسوف نجد أشكالاً ثانوية من الانصرافية؛ سوف نجد الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى منغمسة فى همومها وضغوط حياتها، وسوف نجد جماعات قليلة من المثقفين يهتمون بتخصصاتهم واهتماماتهم العلمية والثقافية دون اكتراث كبير بما هو عام؛ وسوف نجد جماعات تأوى ذاتها بعيداً عن الوطن، وهى ترتمى فى أحضان أفكار ماضوية ليست لها علاقة بمشكلات الحاضر, وسوف نجد أعدادا - ليست قليلة - من أبناء هذه الطبقة ينصرفون بطريقتهم الخاصة، فهم يهرولون يميناً ويساراً حاملين الشعارات الطنانة والعبارات الإنشائية ومظاهر عديدة للسلوك الاحتفالى الذى ينغمسون فيه. يأتى بعد ذلك أحوال عامة الناس من البسطاء الذين ينصرفون عن العام بحكم انشغالهم الدائم بلقمة العيش.

والأهم من سرد مظاهر النزعات الانصرافية هو فهم ما يترتب عليها من آثار مثل الانسحاب من دوائر التطوع، والمشاركة الاجتماعية والسياسية، وانتشار النزعات الفردية والأنانية، وكل هذه آثار ظاهرة للعيان. ولكنى أحسب أننا بحاجة إلى أن ننظر فى الآثار الأعمق؛ تلك الآثار المدفونة فى بنية هذه النزعة الانصرافية.

ويمكن الإشارة هنا إلى ثلاثة آثار ينتهى كل منها إلى وجود مزيد من التباعد الاجتماعى والثقافى، وإلى مزيد من تشظى الأهداف والمرامى الاجتماعية. أول هذه الآثار يرتبط بما يطلق عليه علماء الاجتماع (الفعل الاتصالي)، الذى يشير إلى الأفعال القادرة على أن تربط بين ما هو خاص وما هو عام، والقادرة على أن تخلق تشبيكاً اجتماعياً قادراً على افراز مجال عام مشترك للحوار والنقاش البناء. أما الأثر الثانى فإنه يتعلق بفتور العلاقة بين «الجسد الاجتماعى» و«الجسد السياسى» أو قل العلاقة بين النظم الرسمية التى تدير حوكمة المجتمع وبين جموع المواطنين فى هذا المجتمع. تتحول العلاقة فى ظرف انتشار الميول الانصرافية إلى علاقة أدائية يحقق فيها المواطنون أهدافهم دون أى قدر من التعاطف أو الانسجام، خاصة أن المؤسسات الرسمية قد تسهم فى ذلك بما لديها من جمود إدارى وشيوع لاستبدال المصالح الخاصة بالمصالح العامة. أما الأثر الثالث ـ الأخير ـ فإنه يرتبط بما يمكن أن تؤدى إليه الانصرافية من فراغ عقلى قد يساعد على مرور الأفكار ذات الأثر السلبى المدمر مثل الأفكار المرتبطة بالتطرف الدينى أو بالشائعات والاخبار المغلوطة. فالعقل المنصرف هو عقل ميال إلى الشك وإلى عدم الثقة، وهو عقل منكفئ على ذاته لا ينشغل بقضايا كبرى، ومن ثم فإنه عقل تتسع فيه مساحة الفراغ الفكرى الذى يجعله عرضة للتحيز والهوى.

والنتيجة العامة لكل هذه الآثار المترتبة على شيوع الميول الانصرافية، هى وهن الضمير الجمعى، ومصادر الاتفاق العام، وما يرتبط بهما من فتور للهمة والعزم.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: