رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مقطع النزاع القانونى حول سد النهضة

أعود ثانيةً لاستكمال الكتابة فى قضية سد النهضة، لكن كتابتى اليوم تنحصر فى مقطع النزاع (بالتعبير القضائي) أى التركيز على صلب النزاع فى الواقع والقانون دون التطرق إلى جوانب أخرى كثيرة فرعية بالرغم من أهميتها. وبداية فإن لكل منا أن يناقش القضية من منظوره الوظيفى والمهنى، وبحكم الأدوات والآليات التى تتيحها أو توجبها مسئولياته الوظيفية. فالساسة ورجال الحكم يضعون السيناريوهات والبدائل ويصدرون القرارات عند الحاجة. والدبلوماسيون يفاوضون ويحشدون الجهود الدولية. والمسئولون عن ملفات المياه والزراعة معنيون بالتفكير فى إصدار تشريعات جديدة وحاسمة لتنظيم استخدام مياه نهر النيل، ومسئولو الاقتصاد مدعوون للتوجه نحو نهر الكونغو الذى لا يمثل إيراد نهر النيل سوى 6% فقط من إيراده. وهكذا. لكن يظل مهماً ومطلوباً فى كل الأحوال أن نتيح لأوسع دائرة ممكنة من الخبراء والمتخصصين أن يقدموا ما لديهم، ولدى مصر نخبة قديرة ومميزة من أساتذة القانون الدولى للأنهار وعلماء فى الزراعة والسدود والبيئة. ولا ضير أبداً فى اختلاف الرأى مادام على أرضية وطنية وبدون إقحام قضايا فرعية أو خلط للأوراق. فتحديات اللحظة لا تحتمل. فليقدم هؤلاءأفكارهم ولتقم الجهات المعنيّة فى الدولة ببلورتها وتوظيفها. من جهة نظر متواضعة وبعيداً عن مجادلات ومماطلات ومغالطات الطرف الإثيوبى فإن مقطع النزاع فى قضية سد النهضة ينحصر فى سؤالين محددين أولهما هل أثيوبياً محقة فى ادعائها بأنها غير ملزمة باتفاقيات دولية سابقة مع مصر لأنها كانت خاضعة للاستعمار الإيطالى، واستنادا لمبدأ التغير الجوهرى للظروف كمبرر لعدم التزامها باتفاقيتى 1902 ثم 1929؟ فى الإجابة على السؤال فإن أحكام القانون الدولى نفسها قاطعة الثبوت والدلالة. فالمادة 11 من اتفاقية فيينا بِشأن التوارث الدولى فى مجال المعاهدات لعام 1978 تقرر أن خلافة الدول فى حد ذاتها غير مؤثرة على الالتزامات والحقوق المقررة بمعاهدة والمتعلقة بنظام الحدود، وذلك إعمالاً لمفهوم الاتفاقيات الموضوعية الممتدة. أما المادة 62 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 فهى لا تجيز الاستناد إلى التغير الجوهرى فى الظروف كسبب لإنهاء المعاهدة أو الانسحاب منها إذا كانت المعاهدة منشئة للحدود. يترتب على ذلك وفقاً للدراسة الثرية التى أعدها الدكتور شوقى عبد العال الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حول الانتفاع المنصف بالأنهار الدولية أنه لا يجوز لإثيوبيا كدولة وريث ناشئة عن الاستقلال أن تحتج بأن واقعها الجديد يمثل تغيراً جوهرياً فى الظروف يجيز لها التنصل من المعاهدات التى أبرمتها الدولة السلف. ويورد أحدث أحكام محكمة العدل الدولية فى منازعات الأنهار الدولية التى يبين منها بجلاء أن هذه الأحكام المقررة فى الاتفاقيات الدولية محل اعتراف وتكريس من جانب المحكمة. حدث ذلك بمناسبة نزاع بين المجر وسلوفاكيا حسمته المحكمة بما لا يحتمل اللبس معتبرة أن المعاهدات ذات الطابع الإقليمى ومنها الاتفاقيات المتعلقة بالأنهار الدولية هى من المعاهدات التى لا يجوز المساس بها نتيجة للتوارث الدولى. السؤال الثانى هل المنافع التنموية لإثيوبيا فى توليد الكهرباء تبرر لها تجاهل الأضرار الجدية التى تلحق بمصر من جراء هذا؟ تحاول إثيوبيا أن تصوّر للعالم ولإفريقيا أن مصر تصادر حقها فى التنمية، وهو ادعاء يصل إلى حد الهراء وتدحضه كل التصريحات المصرية الرسمية فمن حق إثيوبيا بلا منازع توليد الكهرباء لا سيما وقد ظلت معظم مناطقها ولفترة طويلة من الزمن محرومة من الكهرباء. لكن ما ينساه أو يتناساه الجانب الإثيوبى أن سد النهضة سوف يحقق لإثيوبيا بالإضافة إلى سدودها الأخرى القائمة حالياً ما يصل إلى 10 آلاف ميجاوات، وهى طاقة كهربائية هائلة تتجاوز كل احتياجاتها المحلية ويجعلها قوة إقليمية كبرى فى توليد الطاقة تحل فيها صادرات الكهرباء محل صادرات البن الإثيوبى الشهيرة تاريخياً. هذا أيضاَ وبذاته حق مشروع لإثيوبيا لكن ما يجب عليها أن تدركه أنها ليست فى هذا العالم وحدها وأنها ليست الدولة الوحيدة فى حوض النيل. والأهم أن تدرك إثيوبيا أنها ليست فوق مستوى القانون الدولى لمجرد أنها وجدت الدعم المادى والفنى من شركات تتبع دولاً كبرى، أو التشجيع والتحريض من دول صاحبة أحلام قديمة فى مياه نهر النيل، أو دول أخرى من بنى جلدتنا صامتة وراضية مع أنه كان بوسعها التأثير والتدخل كوسيط بحكم استثماراتها الكبيرة وعلاقاتها الدافئة ببلاد الحبشة. لكنه التشرذم الذى يعيش تحت جلودنا كعرب منذ ألف عام. مقطع النزاع هنا إذن هو التعسف فى استخدام الحق وهو مصدر من مصادر الالتزام الذى لا يوجد ما يحول دون الأخذ به فى المنازعات الدولية لا سيّما حين يكشف هذا التعسف عن عدم تناسب فج بين أضرار تلحق بطرف تصل إلى حد وصفها بالمخاطر الوجودية، وبين المنافع التى يسعى إليها الطرف الآخر. والعالم كله أصبح يعرف أن توليد الكهرباء فى إثيوبيا لم يكن يحتاج إلى تخزين 75 مليار متر مكعب من المياه فى بحيرة أو خزان السد. إذا أُضيف هذا إلى خرق إثيوبيا لحسن النية وحسن الجوار والحقوق التاريخية المكتسبة وهى من مبادئ القانون الدولى للأنهار تصبح الأمور أكثر جلاء. السؤال الذى لا يمكن ولا يجدر تجاهله فى نهاية المطاف هو ماذا عن حق مصر فى الدفاع عن النفس إذا باءت بالفشل ـ لا قدّر الله ـ كل محاولات إصلاح ذات البين؟ للدفاع عن النفس صور ووسائل وأدوات شتى. المؤكد أن هذا الدفاع عن النفس حق مشروع فى مواجهة خطر وجودى مصدره سد النهضة يهدد مصر اقتصادياً واجتماعياً وسكانياً وبيئيا، والقانون الدولى والقانون الداخلى معاً لا يشترطان خطراً بعينه لتبرير الدفاع عن النفس بل يكفى أن يكون هذا الخطر مهدداً لكيان فرد أو دولة بالمعنى الذى يهدّد هذا الكيان. وليس هناك أشد خطراً من تعطيش الملايين أو تجويعهم أو تشريدهم أو تجفيف وتصحير حقولهم. أما عن فعل الدفاع عن النفس فليس فى القانون الدولى ولا الداخلى على حد سواء ما يحصره فى فعل أو تصرف معين بل يكفى فقط أن يكون هذا الدفاع لازماً لدرء الخطر ومتناسباً معه (!).


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: