هبطت لغة الحوار بيننا وتدنى قاموس الكلام ليس فى شتائم الشارع ولكن فى لغة وسائل التواصل الاجتماعي بل وعلى الشاشات وفي الندوات واللقاءات، وأصبح من الصعب أن تسمع أو تشاهد حواراً جاداً وكلمة مترفعةن وقليلا ما تجد وسط هذا الركام فكراً أو قضية أو شيئاً يستحق أن توليه الاهتمام.. لقد عشنا عصوراً مختلفة فى مستواها الفكري والثقافي والسلوكى ولا اعتقد أننا فى يوم من الأيام قد وصلنا إلى هذا المستوى فى لغة الكلام نحن الآن وبكل بساطة نهبط فى مستوي الحوار الى هذا المستوى فى لغة الكلام، نحن الآن وبكل بساطة نهبط فى مستوى الحوار إلى درجة الإسفاف حتى إننا نغوص فى الأعراض والحرمات وهذا ليس أحط ما وصلت إليه الكلمات.. إن السؤال الذى يتردد دائما كيف وصلنا إلى هذا المستوى وعلى من تقع مسئولية ذلك وهل يمكن فى يوم من الأيام أن نتخلص من هذه الكارثة ونقضى على هذه الأمراض التى اكتسحت أجيالا كاملة، وأصبح تداول هذه الأساليب الساقطة شيئا عاديا فى الكلام والحوار والفن والغناء ولغة الشارع..
> إن الكارثة ليست جديدة علينا نحن فرطنا فى الأسلوب الراقي والكلمة المترفعة، فتحنا الباب واسعا للغة «سوقية» تسللت إلى الشارع واكتسحت أجيالا كاملة وفى الوقت الذى انتشرت فيه عشوائيات المبانى والمساكن، والإحياء حملت معها عشوائيات أخرى فى الحوار والكلام وأصبحت هناك لغة تتناسب مع الواقع الاجتماعي والسلوكي لأصحاب العشوائيات.. ظهرت لغة عشوائية جديدة لها مصطلحاتها الخاصة ورموزها.. لم تتوقف حالة الانهيار فى لغة الشارع على ما حملته العشوائيات ولكن سرعان ما انتقلت لغة العشوائيات إلى فن العشوائيات ووجدنا الذوق المصري يتراجع أمام «كاسيتات» الغناء العشوائى وأصبح له جمهور واسع فى الأتوبيسات والتاكسيات ووسائل النقل المختلفة وظهرت فى الشارع إذاعات عامة وكانت هذه الأغاني الساقطة تبيع ملايين النسخ بينما الفن الجاد يعانى أمام حشود العشوائيات..
> كانت ثورة «الكاسيتات» أول مراحل الانهيار، خاصة إنها اكتسحت الشارع للأسف الشديد ودمرت ما بقى من الذوق الراقى والفن الجاد.. وهنا سادت لغة العشوائيات ليس فقط فى الأماكن ولكن الأخطر كان اكتساح الأذواق وسقط جزء كبير من الطبقات الراقية فى هذا المستنقع وانتقلت هذه العشوائيات إلى نوادى الصفوة بل إلى حوارات كثيرة تتردد الآن على أفواه هذه الصفوة واختلطت عشوائيات السلوك والفن لتصنع واقعا متخلفا لا يليق بمصر والمصريين شعبا وذوقا وحضارة..
> إن فرق الشوارع وغناء العشوائيات لم يعد قاصرا على المناطق العشوائية ولكنك تسمعه فى أرقى الفنادق والنوادي والأفراح وأصبح جزءا من مكونات طبقة جديدة جمعت المال مع العشوائيات وتراها فى الاحتفالات الكبرى وتجمعات رموز الطبقة الجديدة على الشواطئ والمنتديات، وكان اخطر ما فى هذه الحكاية هو الزواج بين العشوائيات وأبناء الطبقة الجديدة وكانت هذه اكبر فرصة لانتشار فن العشوائيات فى كل أرجاء المحروسة..
> أمام الظروف الاقتصادية الصعبة التى واجهتها الطبقة المتوسطة وما بقى منها لم تتردد فى أن تكون شريكا للعشوائيات بعد أن أصبحت شريكا فى لعبة الثراء بالفن الهابط والمشروعات المشبوهة وتجارة العقارات، وكانت لغة الحوار والسلوك والفنون من أهم الجوانب التى سقطت فيها بعض رموز الطبقة المتوسطة.. هنا ظهر الفن الهابط فى موجة العنف والإسفاف فى السينما المصرية ولم يكن غريبا أن تصل الأرقام فى ساحة السينما إلى عشرات الملايين، وتظهر أفلام تحقق رواجا مذهلا فى الانتشار والمال والتأثير، والأغرب فى الأمر أن هذه النوعية من الأفلام وجدت من يشجعها ويقدم لها المال والدعم والانتشار وهنا أيضا وجدنا من يشجع فن العشوائيات والذوق الهابط..
> أمام هذا الانتشار العشوائي تسابقت شاشات الفضائيات ودخلت فى شراكة مع فن العشوائيات، فكانت سلسلة طويلة من المسلسلات والأفلام بل والحفلات التى جعلت من عشوائيات الفن زادا يوميا على الشاشات أمام دوافع الربح والانتشار حتى لو كان ذلك على حساب انهيار الذوق العام..
> بدأت العشوائيات فى السلوك والحوار والفن فى مناطق محدودة ولكنها سرعان ما اكتسحت الشارع وجزءا من الطبقة المتوسطة ودخلت فى شراكة مع أبناء الطبقة الجديدة، حتى أصبحت أسلوب حياة وأمسكت بالذوق العام.. لم تكتف عشوائيات الغناء والفن والسينما بما حدث للشارع المصري ولكنها استولت على كثير من البرامج على الشاشات خاصة برامج التوك شو والمنوعات والبرامج الرياضية والمسلسلات الهابطة وهنا سقطت لغة الحوار ودخلت فى سرداب مظلم مع الغناء الهابط والأفلام الساقطة وسينما القتل والعنف والإسفاف..
> إن القضية فيما يبدو بدأت فى بعض الأماكن وربما عدد من الأشخاص ولكنها تحولت إلى ظاهرة اكتسحت الذوق العام فى الفن والغناء والحوار ولم تعد قاصرة على إنتاج مسلسل أو فيلم أو برنامج هابط أو مسلسل رخيص، لأن الظاهرة تحولت إلى سباق بين مؤسسات وشاشات بل ودول تشجع هذا المستوى الهابط من الفن الرخيص.. نحن الآن أمام واقع اجتماعي واخلاقي وسلوكي اقل المخاطر فيه ما نشاهد على الشاشات أو نسمع من حوارات أو يقتحم أذاننا غناء هابط..
> كل هذه كانت مقدمات لظواهر سلوكية مختلفة ولكن حدث ما هو أسوأ من الشاشات والأفلام و«الكاسيتات» وفرق الشوارع ولغة الحوار لقد هبط علينا هذا الإخطبوط الذى يسمى وسائل التواصل الاجتماعي من النت والفيس بوك والواتس آب واليوتيوب وأصبحت العشوائيات بكل ألوانها وأماكنها وشعوبها متاحة أمام الأجيال الجديدة.
> كانت أغنيات الكاسيت الهابطة قاصرة على جهاز صغير فى السيارة ولكنها الآن تقتحم ملايين البشر وكانت لغة الحوار الساقطة فى حوار أو كلمات ولكنها الآن فى ملايين البرامج والقصص والحكايات.. إن مستنقع البشر بكل ما حملوا من البذاءات وصور الانحطاط تحاصرك الآن من مليون موقع وهنا يتساقط الضحايا من الأجيال الجديدة وسط لغة من الحوار الهابط والغناء الرخيص والإسفاف بكل ألوانه..
> إن الحصار الآن لم يعد مساحة ضيقة من الأماكن والأوطان والبشر ولكنه امتد وشمل العالم كله، إن ابنك الصغير الذى لا يجيد لغته العربية سوف يسمع الشتائم والبذاءات بكل لغات العالم وسوف يشاهد كل ألوان الإسفاف فى السينما والمسلسلات والغناء ولن يسمع أحدا يتحدث عن الأخلاق والحوار الراقى والذوق الرفيع والفن الجميل، ولنا الآن أن نتصور كيف يعيش الإنسان وسط هذا العالم وقد تحول إلى غابة تسكنها الوحوش الآدمية.. بدأ الإنسان بأغنية على شريط كاسيت وانتقل إلى شاشة كبيرة وشارع أوسع وصراخ فى النوادي والأفراح ثم وجد نفسه أمام جهاز صغير يشاهد العالم كله.. ووقف حائرا ماذا يفعل أمام هذا العالم المجنون..
> لقد أصبحت الرقابة على أى شئ حلما مستحيلا وأى الأماكن والأشياء والبشر يراقب الإنسان.. لقد أصبحت الحكومات بكل ما لديها من الإمكانات عاجزة أن تراقب كل ما يجرى حولها رغم أن الأقمار الصناعية تنقل كل شىء وتراقب اى شيء.. هناك دول مثل الصين اخترعت لنفسها مواقعها وانفصلت تماما عن مواقع الآخرين ومن يستطيع أن يفعل ما فعلته الصين ينبغي ألا يتردد، ولكن على المجتمعات أن تكون على وعى بما يجرى فيها من التحولات والتغيرات الفجة.. لفد نمت العشوائيات بين أيدينا وشاهدنا كل ما حدث من تغيرات فى الحوار والسلوك والذوق العام والفن والغناء وتركنا كل هذه الأمراض تنتشر بيننا وتصيب أجيالنا جيلا بعد جيل وكان ينبغى أن نتوقف ونتابع ونوقف الكارثة قبل أن تجتاح كل شىء.. أحيانا اسمع حوارات بين أناس مسئولين ولا أصدق أن هذا كلام يقال فى مصر..
> لا يعقل أن تنسحب الدولة من كل شىء أن تترك الفن للتجار وتترك الحوار بلا حساب وتترك السلوكيات بلا ضوابط.. إن الدولة غابت بكل مؤسساتها عن مسئوليات كثيرة فحماية الذوق العام مسئولية الدولة فى الفن والثقافة، إن هبوط لغة الحوار مسئولية مؤسسات الدولة حين تسمح بالتجاوز فى لغة الشارع.. إن انفلات وسائل التواصل الاجتماعي إلى هذه الدرجة من الهبوط والإسفاف يحتاج إلى وقفة تدخل فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة..
> إن فن العشوائيات كان الأرض الخصبة لفكر العشوائيات وكلاهما ترك لنا الإرهاب الذى ندفع ثمنه اليوم..
ويبقى الشعر
نغمٌ أنـَا ..
يَنسَابُ مِنْ شَفتـْيـِك
تهْدأ وشوَشاتُ الموج
تسْكن همهَماتُ الريح ِ
تنطلقُ العصافيرُ الجَميلة ُ
فى سَماءِ الكـَوْن ِ
يطوى الصَّمتُ أعناقَ الشجرْ
هلْ تهربينَ مِن ارتعاش القلبِ
مِن صَخبِ الحنين
مِن اندلاع ِ النور
فى القلبِ الحزين المنكسرْ ؟
حلمٌ أنـَا..
هل تكرهينَ مواكبَ العشـَّاق ِ
والأشواقُ ترقصُ فى ركابِ الحُلم ِ
والزمن الجميل المنتظـرْ
أم تندَمين على الزمان ِ وقدْ مَضَى ؟!
مَنْ يُرجعُ الأيامَ يا دنياىَ ؟!
لنْ يُجدى البكاءُ..
على زمَان ضاعَ منـَّا.. وانـْدَثرْ
خوْفٌ أنـَا..
ماذا سيفعلُ عاشقٌ
والليلُ يطردهُ إلى الآفاق ِ!
تتبعهُ جيوشُ الحزن..
تتركـُه بقايا بينَ أشلاءِ العُمرْ
فى أىّ جُرح ٍ فى ربُوع القلب
كنتِ تسافرينَ.. وتعبثينَ ..
وجُرحىَ المسْكينُ فى ألم ٍ يئنُّ وَينفطـْر؟
سَفرٌ أنـَا..
إنى أراكِ على رحيل ٍ دائم ٍ
وأنا الذى علمَّتُ هذا الكوَن
ألحانَ الرحيل..
وكانَ شعرى أغنياتٍ للسفرْ
كمْ عشتُ أرسمُ فى خيالى
صورة العمر الجميـِل
وصرتُ مثل الناس
تمثالا ًمن الشمْع الرَّخيص
بأىّ سعر قد يُباعُ ..
بأى سهم ٍ.. ينكسرْ
ألمٌ أنا..
لا شَىء فى البستان ِ يبقى
حين يرتحلُ الربيعُ
يَشيخُ وجهُ الأرض
تصمتُ أغنياتُ الطير.. يرتعدُ الوترْ
فى روضة العشاق
أرسُمُ ألفَ وجهٍ للقاءِ..
وألفَ وجهٍ للرحيلِ..
وألفَ قنديل ٍ..
أضاء العمرَ شوقـًا.. وانتحرْ
حُزنٌ أنا..
إنى لأعرفُ أنَّ أحزانى
ضبابٌ يملأ الكونَ الفسيحَ
يسدُّ عينَ الشمس ِ
يَخْبُو الضوءُ فى عَينى
فلا يبدو القمرْ
أنسابُ فى صحراءِ هذا الكون
تنثرنى الرياحُ.. وتحتوينى الأرضُ
ثم أعودُ أمطارًا يبعثرها القدرْ
وهمٌ أنا..
ليلٌ.. وأغنية .. ونجمٌ حَائرٌ
قد كان يتبعنى كثيرًا..
ثم فى سَأم ٍ عَبرْ
سطـَّرتُ فوقَ الشمس أحلامى
وفوق اللافتاتِ البيضِ..
فى الطرقاتِ..فـَوقَ مرايل الأطـْفال
رَغـَم الصَّمتِ.. أنطقتُ الحَجرْ
ماذا سأفعلُ والزمانُ المرُّ
يُسكـُرنى من الأحزان ِ
والأملُ الوليد يُطل فى عينى
ويخذلنى النظرْ؟!
سافرتُ ضوءًا فى العيون
وعدتُ قنديلا ًحزينـًا..
ينتشى بالحُلم ِ أحيانـًا
ويطفِئهُ الحذرْ
هذا أنا..
سفرٌ.. وأشواقٌ.. وقلبٌ هائمٌ
وشراعُ ملاح ٍ تهاوى.. وانكسرْ
ضوءٌ يُطلُّ على جبين الأرض
نارٌ فى الضلوع.. لـَهيبُ شوق يستعرْ
دمعٌ أمام العشبِ ينزفُ.. تنبتُ الأوراقُ
تحملها الرياحُ إلى الفضاءِ
ويحتويها الموتُ فى صمت الحُفرْ
روحٌ تـُحلــّقُ..
فوق أنفاسى تلالٌ من جليدٍ
فوق أقدامى جبالٌ من حديدٍ
بين أعماقى حنينٌ للسفرْ
هَذا أنا..
بالرغم من كلّ العواصفِ
تهدأ الأشجارُ أحيانـًا
وتترك نفسها للريح ِ أحيانـًا
فيسْكـُرها المطـْر
سأعيشُ فى عينيكِ يومًا واحدًا
أنسى به الزمنَ القبيحَ..
أطهرُ الجسدَ العليلَ..
أذوبُ فيكِ.. وأنصهرْ
يَومٌ وحيدٌ فى ربوعكِ أشتهـِيهِ
بغير حزن ٍ.. أو هموم ٍ.. أو ضجرْ
يومٌ وَحيدٌ فى ربوعِكِ أشتهيهِ
وَسوف أمضِى ليسَ يَعنِينـِى
زَمانٌ ..
أو مكانٌ ..
أو بشرْ
قصيدة ما عاد الحلم يكفى سنة 1996
[email protected]لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة رابط دائم: