لم تعرف التظاهرات فى مصر، فيما بين هزيمة 67 وحتى تحقَّق نصر أكتوبر العظيم فى 1973، سوى الاحتجاجات الشديدة على الهزيمة، والهتافات بمحاكمة المسئولين، والمطالبة باستعجال حرب تحرير سيناء، والضغط على عبد الناصر ثم على السادات للسماح للمتطوعين الشباب من العمال والطلبة بالذهاب لقتال العدو. ولم يرصد مراقب واحد أنه حدث فى تظاهرة واحدة مرة واحدة، طوال هذه المدة الزمنية، أن كانت هناك شكوى من الأزمات الرهيبة التى استحكمت فى كل مناحى الحياة، وطالت الطعام والشراب والدواء والتعليم والطرق والمواصلات، ووصلت صعوبة الحياة إلى أن صار من المشقة أن تحصل على بعض السلع الأساسية إلا من خلال بطاقة التموين، حتى الشاى والصابون والكبريت، بل وزادت فوق كل هذا أزمة السكن التى بدأت فى الظهور بعد أن لم تكن موجودة قبلا! وعندما تحقق الحلم الكبير وبدأت الحرب، نشرت الصحف عن مسئول فى الداخلية أن جرائم السرقة اختفت طوال أيام الحرب، وكأن اللصوص باتوا فى حرج أن يسرقوا بينما الأبطال يجودون بحياتهم على الجبهة!
أما بعد نصر أكتوبر، فقد كان طبيعيا أن يتغير الموقف الشعبى مع تغير الأحوال ومع انتفاء حجج فرض قيود على الحريات، وكانت علامة صحة للمجتمع أن تظهر المطالبة بالاستحقاقات المؤجلة، والتى كانت قد تفاقمت أكثر بسبب تكلفة وظروف الاستعداد للحرب ثم خوضها، ولكن كان ينبغى أن يتزامن مع هذا، وليس بعده، أن تعلو نداءات الحث على العمل، وترسيخ قيمته، وشرح أسباب وجوبه..إلخ. ولكن، وللأسف، انحرف المسار المأمول، مباشرة بعد حرب أكتوبر، إلى الترويج للاستهلاك بدلا من الإنتاج، والأخطر إلى تشجيع المستوردين بدلا من احتضان الصُّنّاع والزُّرّاع! كانت البدايات مع السادات، ثم تدهورت الأحوال أكثر وبسرعة فائفة مع مبارك، الذى شهد حكمه أيضا أكبر حماية تمتع بها الفاسدون الكبار فى انتهاك حرمة المال العام وفى الاستفادة من الفرص العظيمة، وكان كل هذا يضغط بشدة على الفئات الاجتماعية المقهورة، والتى زادت أعدادها واتسع انتشارها..إلخ إلخ. وهذا مجرد جزء من تركة عصر مبارك.
[email protected]لمزيد من مقالات أحمد عبدالتواب رابط دائم: