رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المواطن والمؤسسات العامة.. الثقة والشرعية

يشكل العنف، وعدم الاستقرار والصراع، ملامح مستمرة فى العديد من الدول خاصة التى تعانى الفقر، وضعف التنمية. هناك تقديرات من البنك الدولى تشير إلى أنه بحلول عام 2030 سوف يعيش نصف سكان العالم من الفقراء فى مجتمعات يسودها عدم الاستقرار، وانقسام مؤسسات الدولة، وافتقارها إلى الشرعية، فى الوقت الذى تنشط فيه جماعات خارج الدولة تقدم خدماتها للأفراد، وتستغل ضعف الدولة فى فرض إرادتها على المجتمع. عقد من الزمن ليس ببعيد، وكثير مما تنطوى عليه هذه النبوءة حدث، ولا يزال يحدث فى دول عربية. وإذا خرجنا من الإطار العربى إلى الواقع العالمى فسوف نجد أمثلة على عدم الاستقرار الذى يضرب المجتمعات، وما يرافقه من تراجع فى سلطة الدولة، وتصاعد نفوذ جماعات مسلحة خارج الشرعية. وعندما يثار الحديث عما حدث فى دول مجاورة من أمثلة حية على تفسخ الدولة، وما استتبعه من مآس بمعنى الكلمة، فإن هذه حقيقة مؤلمة، ينبغى أن نضعها فى الاعتبار، فلا يوجد بالمناسبة ما يحول دون تعرض المجتمع المصرى لظروف مشابهة، إذا لم يجد من يحافظ عليه، ويدعم مؤسساته، ويعزز تماسكه. وبالتالى لا يصح أن نتعامل بخفة مع هذه القضايا، لأن لها تداعيات جسيمة يعرفها من أكتوى بنارها، وليس من يشاهدها على شاشات الفضائيات، أو يعلق عليها على صفحات التواصل الاجتماعى.

من هنا فإن الحفاظ على استقرار، وشرعية، وقوة مؤسسات الدولة من القضايا المحورية، خاصة فى ظل انتشار الإرهاب، واتساع دائرة الفقر والتهميش. وليس الغرض من تقوية مؤسسات الدولة الخوف من المواطن، بقدر ما هو الخوف عليه، لأنه إذا كان يعانى التهميش والفقر، فإنه بالتأكيد سوف يخضع لأوضاع شديدة القهر، قد يفقد معها حياته وآدميته، إذا تغلبت جماعات متطرفة أو عنصرية أو مسلحة على المجتمع. ونتذكر أن موجة العداء من الدولة التى سادت فى الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين فى الدوائر الاكاديمية، فى إطار ترويج برامج الإصلاحات الهيكلية فى الاقتصاد، والمجتمع المدنى، ثبت أنها أسهمت فى عدم استقرار مجتمعات عديدة، وهو ما دفع مفكرين غربيين مثل فرنسيس فوكوياما إلى الحديث عن رد الاعتبار إلى الدولة، التى أدى اضعافها إلى تفشى الجريمة المنظمة، والإرهاب، والفقر. اليوم نواجه واقعا شبيها، حيث تُطلق صيحات الهجوم على الدولة- أيا كانت دوافعها- سواء بالتشكيك فى شرعيتها، أو اتهامها بالتسلط والشعبوية، وهو ما يؤدى إلى اضعافها لصالح جماعات لا تصب فى النهاية فى صالح المجتمع ولا المواطن.

إذن الدفاع عن الدولة ومؤسساتها فرض عين- كما يقال- وواجب أساسى للحفاظ على المجتمع، وضمان أمن المواطن، ومواجهة محاولات التشكيك، وتقويض الشرعية، ولكن ينبغى أن نلاحظ أن للعملة وجها آخر. إذ إن الذين يطالبون الآن- عالميا- بضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة فى مواجهة الأخطار المتزايدة، ينبهون إلى أهمية رفع مستوى كفاءتها، والحفاظ على لياقتها، وانضباطها. وهو أمر لن يتحقق إلا من خلال تمكين المواطن ذاته، وتفعيل مشاركته فى الشأن العام، وتعزيز المساءلة والشفافية، وضمان لياقة هذه المؤسسات، ونزاهتها التنظيمية، وقدرتها على انجاز المهام التنموية الملقاة على عاتقها. هذه حقيقة لها شواهد فى الدول المتقدمة، التى تواجه المشكلات والأزمات من خلال تطوير مؤسساتها العامة، وضمان علاقتها الوثيقة بالمواطن. هذان هما الجناحان اللذان يحافظان على المؤسسة العامة فى مواجهة التحديات.

فمن ناحية أولى يشمل تطوير المؤسسات العامة الحرص على اتباعها القواعد الموضوعية، وغياب المحاباة والمحسوبية بكل صورها، ومواجهة الفساد، والتخلص من التعقيد الإدارى، والتضخم فى أعداد العاملين بلا مبرر، وتأكيد المساءلة والشفافية، والمهارة فى تصميم المشروعات، وضبط النفقات، والآخذ بالوسائل التكنولوجية الحديثة. ولا يجب أن يدفعنا الخوف على المؤسسات العامة، وهو خوف مقدر فى دوافعه وغاياته، إلى التغاضى عن أخطاء، أو عدم توجيه النقد لها، بل على العكس، يقتضى الحرص عليها التصدى لأوجه القصور، ونشر ثقافة المساءلة.

ومن ناحية ثانية ينبغى أن تُبنى العلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة على قاعدة من احترام حقوق المواطنة، وقياس رضاء المواطن عن مستوى الخدمة، وتطوير التواصل الإدارى معه، فالعبرة ليست بالكم وحده، ولكن بالكيف أيضا، وهو ما يعنى التأكد من أن ثقة المواطن فى هذه المؤسسات فى ارتفاع، وليست فى انخفاض. هناك العديد من التجارب المهمة التى تأخذ بها دول العالم- شرقا وغربا- لتعظيم مشاركة المواطنين فى التنمية من خلال تقديم مقترحات للجهات العامة، ومساعدتها على ترشيد الميزانيات، وحسن توزيعها، ومتابعة التنفيذ، والتقييم. قد يتطلب الأمر تشريعات وقوانين تضع الإطار القانونى لمشاركة المواطن فى التنمية، تخطيطا وتنفيذا ومساءلة، ويتطلب كذلك تحلى البيروقراطية بأخلاقيات الخدمة المدنية، بمعنى أن تدرك أنها فى خدمة المواطن، تعمل معه، وتحرص على وصول خدماتها إليها بالكم والكيف الذى يحقق رضاءه، وبالتالى ثقته فى المؤسسات العامة.


لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى

رابط دائم: