الآن وبانتهاء اجتماع وزراء الرى لدول مصر وإثيوبيا والسودان بلا تقدم فى القضايا العالقة فإن هناك ما أصبح واجباً قوله بوضوح وحسم. ثمة أضرار كبيرة محتملة ستلحق بمصر (والاحتمال هنا لا يعنى مجرد الإمكان) بل يعنى أن الضرر الذى يلحق بمصر من جراء السد بالكيفية الحصرية التى تريدها إثيوبياً وكأنها دولة منبع ومصب معاً هو ضرر شبه محقق، كل ما هنالك أن عناصر تقدير مداه ليست حالية بل مستقبلية. غريب أن يبدو الطرف الإثيوبى غافلاً وغير عابئ بأضرار يمكن وصفها بالوجودية تلحق بلداً يعتمد على مياه نهر النيل فى الزراعة بنسبة 97.5% بينما اعتماد إثيوبيا الأساسى فى الزراعة هو على مياه الأمطار. غريب أن تتجاهل إثيوبيا مغبة مسئوليتها القانونية وهى تقترح أخيرا فى ظل مسلسل تراجعاتها أن يكون لمصر 31 مليار متر مكعب سنوياً من مياه نهر النيل فى الوقت الذى تعلم فيه أن مساحة الأراضى المزروعة فى مصر تبلغ نحو 9 ملايين فدان، مما يجعلها تحتاج سنوياً إلى 45 مليار متر مكعب بواقع 5 مليارات لكل مليون فدان. مسئوليته إثيوبيا القانونية عن إلحاق خطر وجودى بالشعب المصرى تؤكدها الأرقام المعروفة بأن قطاع الزراعة (وشريانه مياه النيل) يعمل فيه نحو 25 مليون مصرى، وأن نصيب المواطن المصرى من إجمالى المياه العذبة الداخلية المتجدّدة هو من أقل المعدلات فى دول حوض النيل ويقل 60 مرة عن نصيب الفرد فى إثيوبياً (قاعدة بيانات البنك الدولى للعام 2014).
لم يعد الموقف الإثيوبى فى عناده وانغلاقه وصمه الآذان خافياً. وأساس مسئوليته القانونية الدولية لا يتمثل فقط فى عدم التزامه بحسن النية أو تعسفه فى استخدام حقه التنموى فى بناء السد، ولكن أيضاً فى مخالفته الواضحة لمبادئ القانون الدولى عموماً وأحكام اتفاقية قانون المجارى المائية الدولية فى الأغراض غير الملاحية لسنة 1997على وجه الخصوص.فمن ناحية أولى يتجلى سوء نية الطرف الإثيوبى ليس فقط فى مماطلاته لكسب الوقت وفرض الأمر الواقع والتى ما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة ولكن أيضاً فى تراجعه وعدم وفائه بما سبق التعهد به وكان آخر هذه التراجعات تنصله والتفافه على خلاصة الدراسات الاستشارية التى قام بها مكتب الخبرة حول الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية لسد النهضة، وتراجعه باقتراحه الهبوط بحصة مصر السنوية من مياه النيل إلى 35 مليار متر مكعب ثم إلى 31 مليارا برغم أن مصر قد قبلت حصة الـ 40 مليارا بدلاً من الــ 55 مليارا الواردة فى اتفاقية 1959. ومن ناحية ثانية فإن تعسف الطرف الإثيوبى فى استعمال حقه فى بناء السد واضح وجليّ لأن إثيوبيا تزعم أن بناء السد هو بالأساس لإنتاج الكهرباء، وهو حق تنموى مشروع لها، لكن الأضرار التى تلحق بمصر تفوق ما تسعى إليه إثيوبيا من منافع، وهذا هو جوهر نظرية التعسف فى استعمال الحق، بدليل ما يؤكده الخبراء من أنه كان يكفى إثيوبيا لإنتاج الكهرباء تخزين 15 مليار متر مكعب خلف السد فإذا بها تقرر تخزين 75 مليارا! ومن ناحية ثالثة فإن الطرف الإثيوبى يضرب بعرض الحائط ما تنص عليه اتفاقية الأنهار الدولية السابق الإشارة إليها من مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للنهر (م 5 من الاتفاقية) وضرورة الأخذ فى الاعتبار كمعايير لهذا الاستخدام العوامل الجغرافية والمناخية والحاجات الاجتماعية والاقتصادية لدول المجرى المائى وعدد السكان الذين يعتمدون عليه (م 6) وكذلك الالتزام بعدم التسبب فى ضرر ذى شأن لدول المجرى المائى (م7 من الاتفاقية).
إنزال أحكام الاتفاقية السابقة يقود بلا منازع إلى قيام المسئولية القانونية الدولية لإثيوبيا على ضوء المعطيات والحقائق الخاصة بموارد مصر المائية السابق الإشارة إليها، وكذلك الرفض المتعنت لإثيوبيا للمقترح المصرى بإطالة فترة ملء خزان السد لتفادى ما يحتمل أن يلحق بمصر من أضرار. أما الضرر الأكبر المحتمل على سد النهضة فهو وارد لا محالة فى حال حدوث جفاف وانخفاض فى مستوى مياه النيل خلف السد كما حدث فى الماضى وهو ما يجعل من سيناريو تعطيش مصر ماثلاً بقوة ووضعها تحت رحمة إثيوبيا فى ظل عدم وجود قواعد وضمانات متفق عليها.
السؤال الآن عن المسارات والبدائل المتاحة للتعامل مع الموقف الإثيوبى فى ظل وجود البند العاشر من اتفاق إعلان المبادئ فى مارس 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان والذى يجعل اللجوء إلى الوساطة كسبيل لحل الخلافات مشروطاً بموافقة إثيوبيا التى ترفض ذلك لعلمها أنه ليس فى صالحها، وهو دليل آخر على التعنت وسوء النية. لا تتوقف إثيوبيا حالياً عن الحديث الناعم المخدر عن ضرورة استمرار المشاورات مع مصر وهى تدرك يقيناً أن هذه وسيلة أخرى لاستهلاك الوقت. البداية من خطوتين أولاهما السعى لإعداد ملف قانونى مدروس ومتقن للدفاع عن حقوق مصر المائية وترتيب المسئولية القانونية الدولية للطرف الإثيوبى على أساس مخالفة مبدأ حسن النية المنصوص عليه فى المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة والذى تكرر النص عليه 4 مرات فى اتفاق إعلان المبادئ، ولمبدأ عدم جواز التعسف فى استخدام الحق، بالإضافة لمخالفة مبادئ قانون الأنهار الدولية السابق الإشارة إليها. الخطوة الثانية هى طرق الأبواب القانونية والسياسية والدبلوماسية لطرح هذا الملف والتقدم بشكوى أمام مجلس الأمن ثم محكمة العدل الدولية والمؤسسات المعنيّة الأخرى.
ربما تعتمد إثيوبيا على أن اتفاق إعلان المبادئ لا يُلزمها بقبول الوساطة وهذه حجة داحضة ليس فقط لأن مثل هذا المسلك يخالف مبدأ حسن النية ولكن أيضاً لأنها تراجعت عما سبق الاتفاق عليه خصوصاً فيما يتعلق بالدراسات الاستشارية المقدمة من مكتب الخبرة حول الآثار المترتبة على السد، وبالاثنين معاً نصبح بصدد موقف جديد وغير مشروع لإثيوبيا يجعل رفضها الوساطة دليلاً إضافياً على سوء النية ومبرراً لمصر فيما لو أرادت العدول عن اتفاق إعلان المبادئ استناداً لمبدأ تغير الظروف.
خلاصة الأمر أن المسلك الإثيوبى يقود إلى اعتبار مصر مهدّدة بخطر وجودى مستقبلى محقّق بما يجعلها فى حالة دفاع عن النفس.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم رابط دائم: