رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

همــوم أطـباء مصــر

كتبت أكثر من مرة عن هموم أطباء مصر، هذه المهنة الجليلة التي احتلت مساحات كبيرة في التاريخ المصري القديم ومازالت هناك أسرار طبية لدى الفراعنة لم يصل إليها الطب الحديث وفى مقدمتها علم التحنيط الذي انفرد به المصري القديم ومازالت شواهده في المتاحف تبهر العالم كله.. لم تتوقف مدارس الطب في مصر عند العصور القديمة ولكن مدرسة قصر العيني مازالت واحدة من اعرق وأقدم مدارس الطب في العالم.. ومازال الطبيب المصري يحتل مكانة بارزة في دول العالم من حيث القدرات والتخصص، حيث يلقى أطباؤنا المهاجرون سمعة دولية طيبة في كل مكان.. كنت قد تعرضت لعدد من المشاكل التي يعانى منها أطباء مصر وأنا هنا لا أتحدث عن الأطباء الكبار الذين يتمتعون بمكانة خاصة من حيث الشهرة والجانب المادي و لكنني أتحدث عن آلاف الأطباء الذين يبدأون حياتهم أو يعانون في بداية المشوار ظروفا اقتصادية وإنسانية صعبة، إن مشاهير الأطباء الكبار في مصر لا يتجاوز عددهم المئات بينما هناك عشرات الآلاف الذين يشقون طريقهم في الحياة بكل مظاهر القسوة التي يعانون منها..

> زارني في الأهرام د.حسين خيري وهو جراح وأستاذ للجراحة في طب قصر العيني وعميد كلية الطب وقبل هذا هو نقيب الأطباء.. الرجل مهذب وبشوش ومجامل ويذكرني بالأطباء الذين احترفوا الفن مثل إبراهيم ناجى ومصطفى محمود ويوسف إدريس وإن بقى الرجل على عهده مخلصا لأصعب أنواع الطب وهى الجراحة.. طال الحديث بيننا حول أحوال الطبيب المصري وهو بحكم موقعه أستاذا وطبيباً وعميداً ونقيباً يدرك بوعي هموم الطبيب المصري.. وقد توقفنا معا عند بعض النقاط..

> إن أعداد الأطباء المصريين في تراجع مخيف لم يعد العدد الحالي كافيا لتوفير الرعاية الصحية لمائة مليون مصري ما بين العلاج الخاص والعام والمستشفيات الحكومية.. إن عدد الأطباء المقيدين في النقابة ٣٩٠ ألف طبيب من بينهم ١٥٧ ألف طبيب معاشات و١٨ألف طبيب وفيات وأن عشرات الآلاف منهم يعملون في الخارج وهذا يعنى أننا أمام عدد قليل جدا من الأطباء لا يصل إلى 10٠ ألف طبيب وأن مصر الآن تعانى بشدة من نقص عدد الأطباء أمام الإقبال الشديد على الهجرة خاصة في السنوات الأخيرة.. لقد ارتكبت الدولة خطأ هذا العام حين زاد عدد الطلاب الذين يدرسون الطب في الجامعات من ٨ آلاف إلى ١٥ألفا وسوف يؤثر ذلك على إمكانيات الخريج ومستواه العلمي أمام ضعف الإمكانيات في المعامل والمستشفيات..

> هناك قضايا إنسانية يعانى منها الأطباء ابتداء بطبيب الامتياز الذي يحصل على راتب لا يزيد على ٤٠٠ جنيه ولنا أن نتصور كيف يعيش ويسكن ويأكل ويسافر بهذا المبلغ بل أن الأسوأ من ذلك راتب الطبيب المقيم هو ٢٠0٠ جنيه وأن بدل العدوى ١٩جنيه أي أن الطبيب الذي يتعرض للعدوى من أي مرض يحصل على هذا المبلغ شهريا وهو يكشف على ٣٠ مريض كل يوم.. إن الأزمة الأكبر أن الطبيب حين يحال إلى المعاش يحصل على ١٢٠٠ جنيه معاشا شهريا.. وإذا خرج بنظام المعاش المبكر فهو يحرم من المعاش تماما.. إن الطبيب أيضا لا يتمتع بأي امتيازات بحقه في العلاج، إن المطلوب منه أن يعالج المرضى فقط أما إذا مرض فلا توجد له أي مصادر للعلاج..

> في أكثر من مكان وأكثر من واقعة قام المواطنون بالتعدي على الأطباء لأي سبب من الأسباب خاصة إذا توفى المريض.. إن الطبيب المصري يتعرض للضرب ولا يجد أحدا يحميه والغريب أن حراسات المستشفيات وقوات الأمن مسئوليتها أن تحمى المباني وليس البشر وهذا يعنى أن يقتحم المواطنون حجرات الأطباء ولا يتدخل الأمن لحمايتهم وكثيرا ما تم تحطيم الأجهزة والمعدات والمعامل على أيدي المواطنين وفى أحيان كثيرة تعرض الأطباء لإصابات بالغة من المواطنين..

> إن سكن الأطباء لا يتناسب إطلاقا مع الجوانب الإنسانية التي ينبغي أن يكون عليها أسلوب الحياة وليس ذلك قاصرا على مساكنهم في الأقاليم ولكن ذلك يحدث في قلب القاهرة حيث لا تتمتع هذه المساكن بأي قدر من الآدمية وأمام المرتبات الضئيلة لا يمكن أن يدفع الطبيب مرتبه وهو لا يكفى لكي يقيم في سكن مناسب..

> إن الجانب المادي في حياة الطبيب يحتاج إلى إعادة النظر ابتداء بالسكن الذي يعيش فيه وانتهاء بالمظهر وأسلوب الحياة وإذا أضفنا لذلك أن هذا الطبيب يحتاج دائما إلى مراجع علمية وبرامج للتدريب لاكتساب خبرات جديدة من أين يشترى المراجع وهو لا يجد السكن المناسب..

> إن هذا الواقع الذي يعيشه الطبيب وهذه المشاكل التي يعانى منها كل يوم لا تقتصر على أزماته الشخصية والحياة التي يعانى منها ولكن هناك النقص الشديد في الإمكانيات داخل المستشفيات والمراكز الطبية، إن هناك أزمة كبيرة تعانى منها مستشفيات مصر في وحدات العناية المركزة وهى ضرورة صحية وهناك أيضا النقص الشديد في أعداد الأسرة وهى أزمات تعانى منها المستشفيات في أكثر من مكان وتمثل عبئا على الأطباء أمام مطالب المواطنين وأعدادهم الكبيرة..

> إن مشكلة الهجرة أصبحت الآن هاجسا تعانى منه المؤسسات الصحية والطبية مع نقص الإمكانيات في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي الرهيب الذي وصل إليه العالم في السنوات الأخيرة.. إن الطب الآن لم يعد طب الفراسة والحكمة ولكنه أصبح طب العلم والتقدم والمعدات الحديثة وهذه أشياء تتوافر لدى بعض المراكز الطبية التي استطاعت أن توفر هذه الإمكانيات..

> إن الطبيب المصري الآن يتمتع بسمعة دولية وعليه إقبال شديد ليس فقط في الدول العربية الشقيقة ولكن في أوروبا وأمريكا وهناك أطباء مصريون من الشباب وصلوا إلى آفاق من العلم والخبرة والتميز لا تقل عن قدرات الأجانب.. إن هناك تخصصات فى مصر الآن تجمع كوكبة من شباب الأطباء وصلوا إلى سمعة دولية مشرفة للطبيب المصري..

> هذه بعض جوانب ما دار بيني وبين نقيب الأطباء د.حسين خيري وقد لجأت النقابة في أكثر من مناسبة إلى مجلس النواب ولجانه الصحية وعرضت على المجلس ما يعانيه أطباء مصر من الأزمات وهى واضحة وصريحة وليست خافية على أحد ولكنها تتطلب دعما ماليا من الحكومة فليس من المنطق أن يحصل طبيب الامتياز على راتب أو مكافأة ٤٠٠جنيه شهريا بعد دراسة ٧ سنوات في كليات الطب وليس من المعقول أن يكون معاش الطبيب في سن الستين ١٢٠٠ جنيه وأن يكون بدل العدوى ١٩جنيها وهى لا تكفى لشراء علبة دواء للأنفلونزا.. إننا الآن نشكو من هجرة الأطباء إلى الخارج وقد وصل عددهم تقريبا إلى٧٠ألف طبيب ما بين أوروبا وأمريكا والدول العربية وهناك طابور طويل من الأطباء ينتظرون الفرصة، لنا أن نتصور طبيبا يعانى كل هذه الظروف القاسية وإذا حدث خطأ غير مقصود يقتحم المواطنون عليه المستشفى ولا يجد أحدا يحميه منهم..

> إن نقابة الأطباء في حدود إمكانياتها الضئيلة تحاول أن تواجه القضايا الإنسانية التي يعانى منها الأطباء في علاج أو حياة أو سكن ولكن الحكومة لم تحاول حتى الآن أن تواجه حجم مشاكل الطبيب المصري، بينما هناك من يحذر أن الأطباء يهاجرون وأن ما لدينا لا يكفى وأن مصر سوف تعانى كثيرا من نقص الأطباء.. هناك قضايا ملحة لا ينبغي تأجيلها أو السكوت عليها ومنها بدل العدوى والمعاش وطبيب الامتياز وسكن الأطباء وعلاجهم في الأزمات وقبل هذا كله توفير الحماية لهم من عنف المواطنين..

> لا أعتقد أن الأطباء تعرضوا لمثل هذه الأزمات في عصور سبقت وفى الوقت الذي قدمت فيه الدولة الدعم لفئات كثيرة فقد حرمت الأطباء وهم الأحق من الكثير من حقوقهم..

> إن مجلس النواب مطالب بأن يدرس أحوال الطبيب المصري وأن يضع من اللوائح والقوانين ما يوفر له حياة كريمة وواقعا اجتماعيا يليق به.. إن حديث د.حسين خيري نقيب الأطباء يحمل شجونا كثيرة لأن الآلاف من شباب الأطباء لا هاجس أمامهم الآن غير الهجرة.. وهى ليست الحل.. إن الحل ينبغي أن يكون هنا بأن تنظر الحكومة لهذه المهنة العظيمة التي كانت يوما من مفاخر مصر وتاريخها الرائع في خدمة الإنسان..

هذه بعض هموم الأطباء علي لسان نقيبهم ربما وجدت من يجد لها حلا..

 

 

ويبقى الشعر

 

فى كـُلّ عام ٍ ..

تشْرقينَ على ضِفافِ العُمر ..

تـَنبتُ فى ظلام الكون ِ شَمسٌ

يَحتوينى ألفُ وجْهٍ للقمرْ

فِى كـُلّ عام ٍ ..

تـُشْرقينَ علـَى خَريفِ القلبِ

يَصْدَحُ فِى عُيُونِى صَوْتُ عصفور ٍ..

وَيسْرى فِى دِمائى نـَبضُ أغنيةٍ

وَيغزلُ شَوقـُنا المْجنونُ أوراقَ الشـَّجَرْ

فى كـُلّ عام ٍ ..

تـُشرقينَ فراشة ً بَيْضَاءَ

فوقَ بَرَاعِم الأيَّام

تـَلـْهُو فوْقَ أجنحةِ الزَّهرْ

فِى كلّ عَام ٍ ..

أنتِ فِى قلبى حَنينٌ صَاخبٌ ..

وَدُموعُ قـَلبٍ ذابَ شوْقـًا .. وانـْكـَسرْ

 

 

«قصيدة ألف وجه للقمر سنة 1996»

[email protected]

[email protected]
لمزيد من مقالات يكتبها ــ فاروق جويدة

رابط دائم: