رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إلى العقول المأجورة.. هل نتقى الله فى الوطن?!

ثمة ظواهر فى المجال العام العربى تحتاج إلى تأمل وإعادة نظر. من أشد هذه الظواهر لفتاً للانتباه عملية يمكن أن نطلق عليها عملية استئجار العقول من أجل تحقيق أهداف معينة للدول تجاه دول أخرى؛ كما يحدث عندما تلجأ بعض الدول فى الإقليم إلى تسخير الإعلام لبث الشائعات، وتعكير الأجواء، ونشر الأكاذيب على أنها حقائق. إن مثل هذا الأمر ليس غريباً فى حد ذاته، إذا ما فهم فى ضوء الآليات الجديدة لحروب الجيل الرابع، ولكن الأمر الأشد غرابة هو أن الذين يقفون على رأس هذه المنصات الإعلامية هم أبناء الأوطان التى يوجه إليها هذا الخطاب الإعلامى الكاذب. ولقد تأثرت كثيراً بصرخة هذه المرأة الوطنية الشريفة التى وجهتها لواحد من الجالسين على هذه المنصات قائلة بصوت أقرب إلى الصراخ: بلاش كدب .. اتقوا الله فى الوطن.. هل أنت مصري؟. ثلاث عبارات، قالتها هذه المرأة المصرية بحق، هى التى دفعتنى إلى كتابة هذا المقال وأنا أرفع قلمى وعقلى ورأسى إجلالاً لهذه المرأة العظيمة، محاولاً أن أفهم مغزى عباراتها التلقائية، وأن أضم صوتى إلى صوتها تجاه هؤلاء البشر الذين باعوا الوطن بالجملة، عبر بيع عقولهم إلى آخرين لا يريدون لهذا الوطن إلا الشر والفوضى. وقد يكون مفيداً أن نجعل الحديث يسير فى شكل أسئلة توجه إليهم بنفس الطريقة التى جاءت فى صرخة المرأة المصرية.

يتعلق السؤال الأول بمسألة حرية العقل فى أن يتخلص من الأسْر والوصاية والخضوع لإغراءات المادة، ساعياً نحو استملاك الحرية. لقد عرفت الثقافة التقليدية العربية أنواعاً من هذا الأسْر تمثلت فى العبودية تارة، وفى شراء المرتزقة من المماليك تارة أخرى، وفى جلوس بعض الشعراء والأدباء فى مجالس الأمراء من أجل مدحهم والتشدق بمزاياهم تارة ثالثة، ولكن ولوج المجتمع الحديث، وبناء الدولة الوطنية الحديثة قد نفض يده عن كل هذا، محاولاً تأسيس العلاقات على أسس قانونية شرعية تحكمها الدساتير والقوانين. ولكن الأمر الغريب فى مجتمعاتنا العربية أن تظل بعض العقول تحلم بالعبودية والوصاية وحب الكذب والنفاق. وأحسب أن هؤلاء إذ يبدأون ولوجهم داخل هذه المنظومة الجهنمية فإنهم يصبحون تروساً تدور، ويألفون ما تعودوا عليه من الكلام المغلوط وبث الشائعات، وهم لا يشعرون بأنهم يكذبون، بل إنهم يطورون مفاهيم وتبريرات تقنعهم بأن ما يقولونه هو عين الصدق؛ ولكن من يسمعهم يردد قول الشاعر مصطفى صادق الرافعي:

لا تسألِ الكذابَ عن نياتِهِ

مادامَ كذاباً عليكَ لسانهُ

ينبيكَ ما فى وجههِ عن قلبهِ

إن الكتابَ لسانهُ عنوانهُ

وثمة سؤال آخر يتعلق بالوطن: ما معنى الوطن لدى هؤلاء البشر الذين يتنازلون عن عقولهم لمصلحة الغير، مسخرين أنفسهم لخدمة جوانب سلبية تتصل بالعداء للوطن الأم؟ وهل هم ولدوا خارج الوطن، أم أن الوطن هو الذى كفل لهم التربية والتعليم، وحصن طفولتهم وشبابهم حتى شبوا عن الطوق؟ إن النظر فى هذين السؤالين يأخذنا مباشرة إلى معانى لا تتعلق فقط بعدم الوفاء أو عدم الانتماء بل تتسع إلى معانى الخيانة. إنهم ينبذون وطنهم على سواء، ويتنكرون لتاريخه ومنجزاته، ويستبدلون الأفكار الخبيثة والدراهم القليلة بحب الوطن والانتماء إليه. وهنا يحق لكل مخلص أن يطلب منهم أن يتقوا الله فى الوطن.

وقد يرد واحد من هؤلاء على ذلك بالقول إننا أصحاب موقف وأصحاب رؤية. وهنا ينكشف عقله المستأجر انكشافاً كبيراً أمام حقيقتين يتجاهلهما صاحب هذا الرد متعمداً: الحقيقة الأولى أن الموقف والرؤية يفرضان عليه بادئ ذى بدء أن يكون محترماً إزاء وطنه، وقادراً على الإيمان بتعددية الآراء، لا بالوصاية على الفكر, ومؤمناً بأن خطابه يجب أن يكون عين الحقيقة وليس عين الهوى والغرض. والحقيقة الثانية ترتبط بأن صاحب الرؤية والموقف هذا يغض الطرف دائماً عن الجرائم وصور القهر التى يمارسها الأفراد الذين يحمون ظهورهم، والتى توجد فى البلدان التى يبثون منها سمومهم. ثمة ميل هنا لتشرب القيم الثقافية التى تميل إلى المعايير المزدوجة، ومجافاة الشفافية والنزاهة، والذهول عن المقاصد الحقيقية للاجتماع الإنساني. وثمة سؤال مهم يظهر هنا على الفور يتعلق بمهنية العمل الإعلامى وما يحيط بها من قيم. إن الأخلاق المهنية هى التى تبعد أصحاب المهن عن الانحراف، وتجعلهم أكثر قدرة على تسخير مهنهم تسخيراً يؤدى إلى سعادة البشرية، والارتقاء بالإنسان فكراً وعملاً، وغرس القيم النبيلة الفاضلة فى النفوس. ولكن ماذا إذا تمت ممارسة المهنة بقدر كبير من عدم الصدق، وعدم الأمانة، والتحيز لوجهات نظر بعينها ومحاولة فرضها على الآخرين؟ وماذا لو تحولت مهنة الإعلام إلى فرض وصاية على البشر والتحريض على الفتنة؟ فى هذه الحالة سوف تنحرف المهنة عن أهدافها، وسوف يتحول الإعلام بالتدريج إلى أداة تخريب وفوضى، وأولاً وقبل كل شئ سوف تفقد المهنة استقلالها وتصبح لعبة فى يد المنحرفين والإرهابيين والطموحين إلى السيطرة على مقدرات الناس ونهب ثرواتهم. وسوف يصول صاحب المهنة ويجول هنا وهناك متنقلاً، مادحاً ومقرظًا إذا ما أريد له ذلك، وناقداً وناقماً إذا ما أريد له ذلك. يكون شأن صاحب المهنة هنا شأن شاعر العرب الكبير أبى الطيب المتنبى الذى مدح كافوراً قائلاً: إِذا ضَرَبَت فى الحَربِ بِالسَيفِ كَفُّهُ تَبَيَّنتَ أَنَّ السَيفَ بِالكَفِّ يَضرِبُ، ثم ذمه ذماً شديداً قائلاً: لا تشـتَـرِ الـعَـبـد إلا والـعَـصَـا مـعــه ... إِن الـعَـبِـيــدَ لأنـــجـــاسٌ مَـنـاكــيــدا/ مـا كُنـتُ أَحسَبُنـى أَحيـا إلـى زَمَـن ... يُسـيء بـى فيـهِ عَبـد وَهْـوَ مَحمـودُ. وأخيراً قد يكون مهما أن نذكر من يأوى ذاته خارج وطنه ويبيع عقله لمن يشتري، أن نذكره بعلاقته بنفسه، ومستوى التكامل النفسى الذى يغيب كلية عندما ينغمس فى هذا السعى التعس. إن الذات التى تحمل هذه النفس لن تكون إلا ذاتًا مغتربة، ولن يكون العقل الذى حرك هذه الذات إلا عقلاً أجيراً ضالاً متشرداً فى بقاع الأرض.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: