رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الانعزالية.. فيروس يهدد الديمقراطية الغربية

ربما كان أحد التساؤلات التى تثيرها ظاهرة التيارات الشعبوية الانعزالية المتنامية فى الغرب هو هل هذه التيارات مجرد وعكة عابرة تشبه الأنفلونزا أم فيروس يهدد مناعة الديموقراطية الليبرالية الغربية نفسها؟ هل تبدو الأفكار مثل الكائنات الحيّة طريق الانحدار عندما تكتمل وتمضى دورتها الزمنية؟ من كان يصدق أن هذه الديموقراطية الغربية بأدواتها السياسية ونظمها الانتخابية الحرة يمكن أن تفرز رؤساء مثل ترامب الأمريكى وجونسون البريطانى وفيكتور أوربان المجري؟ الغريب أنه حتى ثلاثين سنة مضت بدت الديموقراطية الليبرالية الغربية كنسق فكرى ونظام سياسى وكأنها نهاية التاريخ وفقاً لتعبير فوكوياما الشهير. استقرار سياسي، ازدهار اقتصادي، قوة عسكرية، وتقدم مطرد فى شتى مجالات العلوم والفنون والآداب. كان تفكك الاتحاد السوفيتى القديم وسقوط جدار برلين فى بداية تسعينيات القرن الماضى إعلاناً عن انتصار ساحق للديموقراطية الغربية سرعان ما عبر عن نفسه من خلال حركة العولمة. كان الغرب آنذاك يعيش حالة من النشوة، والثقة، والبريق وقد اقترنت منجزاته بتيار حقوقى وحرياتى عابر للحدود وكأنه روشتة علاج الحضارة الغربية لباقى العالم. فى هذا الوقت منذ ثلاثين عاماً تقريباً كانت روسيا الاتحادية تخرج من عباءة الاتحاد السوفيتى مرتبكة ومنهكة، ولم تكن الصين قد أبانت عن نفسها بعد كمعجزة تنموية وقوة عالمية عظمى. وكانت أوربا تمضى بثبات على طريق وحدتها النقدية وأحلامها الاتحادية الكبرى. فى هذا الوقت كانت الديموقراطية الليبرالية الغربية تصل إلى أعلى نقطة فى منحنى صعودها التاريخي، والذى تبدأ معه بمنطق التاريخ رحلة الهبوط.

شيئاً فشيئاً بدأت الديموقراطية الغربية المحلقة بأجنحتها السياسية والاقتصادية والحقوقية تواجه العديد من التحديات. الثقة بالذات تخالطها الشكوك. الصين تزاحم أمريكا فى صدارة المشهد العالمى ويعلن رئيسها فى الذكرى السبعين للثورة أنه لا أحد بوسعه إيقاف الطموح الصينى الذى أنتج أكبر وأنجح نموذج تنموى وتحديثى من خارج وصفة الديموقراطية الليبرالية الغربية. وترامب الأمريكى وجونسون البريطانى ماضيان على طريق تجاهل وتحجيم دولة المؤسسات والارتداد على ما كان يعتبر من الثوابت والمسلمات فى أهم ديموقراطيتين غربيتين فى التاريخ الحديث. ومن قاع المجتمعات الغربية تبرز تيارات شعبوية وانعزالية متطرفة. كانت البداية من حزب الجبهة الوطنية فى فرنسا (التجمع الوطنى حاليا). كان الحزب فى بداياته صغيراً وغير مؤثر ثم بمرور السنين كبر الحزب وتغلغل فى الحياة السياسية الفرنسية حتى حلّ ثانياً فى الانتخابات الفرنسية الرئاسية الأخيرة. وسرعان ما تنامى تيار اليمين المتطرف فى باقى أوروبا ليكتسب زخماً شعبياً ويؤكد ليس فقط صعوده السياسي، ولكن أيضاً حضوره الفكرى والاجتماعى والثقافي. بل إن بلدان شمال أوروبا التى طالما عُرفت بنزعتها الإنسانية وتجسيدها قيم السلام والتسامح واحترام الآخر قد عرفت بدرجة ما طريقها إلى هذه التيارات الشعبوية المتطرفة وبدأت تغزوها نعرات العنصرية والكراهية. وهكذا خيّم على المجتمعات الغربية مناخ ثقيل معاد للأجانب عموماً وللعرب والمسلمين على وجه الخصوص. وامتد هذا المناخ ليظلل بلداناً كانت قد نجحت فى التخلص من إرثها العنصرى النازى مثل ألمانيا وليطول أيضاً وبدرجة مقلقة بلدان شرق أوروبا وعلى رأسها المجر التى يتزعمها فيكتور أوربان أحد أكثر السياسيين الأوروبيين عنصرية ومعاداة معلنة وفظة للأجانب.

ثم كان مشهد الإثارة السياسية الأكبر بوصول دونالد ترامب إلى رئاسة أمريكا فى عام 2016 ليخط سطراً غير مسبوق فى كتاب التاريخ الأمريكي، وليضع العالم كله وأمريكا بلده أمام نمط جديد من التعامل السياسى أو بالأحرى اللاسياسي. كان وصول ترامب إلى رئاسة أمريكا فى ظروف وملابسات بل وأسرار ما زال بعضها مطموراً لم يُكشف النقاب عنه من أحاديث حول تدخل روسى محتمل حلً فيه الاختراق السيبرانى الإلكترونى محل حصان طروادة القديم. وهكذا تنامت على مدى السنوات الأخيرة فى الغرب تيارات شعبوية متطرفة ذات ملامح انعزالية وعنصرية بغيضة لتضيف بعداً جديداً فى أزمة الديموقراطية الغربية. وبرغم أن هذه التيارات تتماهى بشكل أو بآخر مع الأحزاب اليمينية المتطرفة أو ما يوصف أحياناً بالمحافظين الجدد فالملاحظ والمقلق فى الوقت ذاته أن هذه التيارات الشعبوية تضم أطيافاً سياسية وفكرية شتى تبدأ من اليمين وتصل حتى اليسار الراديكالى الذى يمثله «ميلانشو» فى فرنسا. المسألة لا تتعلق إذن بانحصار الشعبوية المتطرفة فى اليمين القومى بل تتجاوزه إلى أحزاب وتيارات أخرى. نحن إذن أمام ظاهرة سياسية وثقافية عابرة للأحزاب التقليدية. وربما لهذا تتعدّد التسميات التى تُطلق على هذه التيارات والتى تجمع بين اليمين المتطرف واليمين القومى والشعبوية والانعزالية. فى الماضى كان سهلاً تصنيف أو تأطير الأحزاب والحركات السياسية وفقاً لأسسها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أما اليوم فنحن لا نعرف على وجه التحديد واليقين ما هى المنطلقات والمبادئ التى تميز هذه الأحزاب والتيارات وتحدّد سياساتها ومواقفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ما يبدو بارزاً ومؤثراً فى أدبيات الأحزاب والحركات الشعبوية المتطرفة هو مضمونها الثقافي. معظم سياساتها ومواقفها تنطلق أساساً من رؤيتها الثقافية للآخر المختلف عرقياً أو دينياً أو ثقافياً، وهنا مكمن الخطورة ومبعث القلق لأن كل مظاهر الاختلاف السياسى أو الفكرى قابلة للنقاش والجدل والتطور أما حين يكون موقفك من الآخر مبنياً بالأساس على اختلافه عنك فى العرق أو الدين أو اللون أو الثقافة أو التقاليد فهذا موقف عنصرى مغلق غير قابل للانفتاح أو التطور. هذا أخطر ما فى التيارات الانعزالية الشعبوية التى تهدد الديموقراطية الليبرالية الغربية فى أزمتها الحالية.

الواقع أنه يصعب قراءة ظاهرة تنامى الشعبوية الانعزالية فى الغرب بغير قراءة موازية للعوامل الثقافية المتصلة ببنية المجتمعات التى تنمو فيها هذه الظاهرة. ثمة شيء ما طارئ وغريب يحدث هناك يجعلنا مضطرين لاستعادة ما كتبه صمويل هينتجتون فى كتابه الشهير عن صدام الحضارات. نحتاج إلى مزيد من فهم وتحليل سيرورة تنامى هذه التيارات على مستوى الشعوب ومن الذى يغذى هذه التيارات ويقودها. هل هى أحزاب أم قوى تتستر خلف الأحزاب تسعى لاستثمار مشاعر الناس بالخوف من الإرهاب أو موجات الهجرة؟ مع ملاحظة أن المجر التى تقود حركة العنصرية الجديدة فى شرق أوروبا لم تشهد حادثاً إرهابياً واحداً. هذه وغيرها تساؤلات تبحث عن أجوبة. الأمر المؤكد أننا نعيش حقبة تكاد الديموقراطية الغربية فيها ترتد على قيمها، ليس فقط فى مواجهة الآخر الأجنبى ولكن أيضاً ترتد على نفسها وتضع إرثها الليبرالى محل تساؤل كبير.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: