فى كلمته أمام قمة التنمية المستديمة بالأمم المتحدة تناول الرئيس عبد الفتاح السيسى عددا من القضايا التى تتعلق بالإسراع بتحقيق أهداف التنمية مثل تدفق الموارد، وبناء الشراكة بين الدول، وحشد الجهود الدولية مع تأكيد أمرين: الأول غياب المشروطية السياسية، أى أن يرافق الدعم مطالب سياسية محددة يلزم بها المانح الدول المتلقية، والثانى فرض نماذج معينة للتنمية، وهو ما يعنى أيضا فرض توجهات اقتصادية على الدول دون أن تكون لديها القدرة على تبنى طريقها الخاص فى التنمية. وكلا الأمرين ظل هاجسا على طوال عقود فى الدول النامية، فهى لا تريد إملاءات سياسية من ناحية، ولا تريد إملاءات اقتصادية من ناحية أخرى، كل ما تريده الشراكة، والدعم، والمساندة، والعمل المشترك. وأشار الرئيس فى كلمته أيضا إلى أهمية زيادة كفاءة المؤسسات الوطنية، ودعم القدرات البشرية، والربط بين العلوم والتكنولوجيا والتنمية. إذا عدنا إلى أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستديمة سوف نجدها تتناول عددا من المجالات منها القضاء على الفقر, الأمن الغذائى، تمكين المرأة، النمو الاقتصادى المستدام، وتوفير فرص العمل والإنتاجية، خلق مدن استيعابية للمواطنين، ووقف التدهور فى الأرض، وهكذا. تحتاج الدول جميعا إلى هذه الأجندة الكونية بدرجات متفاوتة. بالطبع جيد أن يثير الرئيس عبد الفتاح السيسى فى كلمته قضيتى المشروطية السياسية، وفرض النماذج التنموية، وكلاهما فشل فى التجارب التنموية السابقة خاصة فى النموذجين الاشتراكى والنيو ليبرالى، فالتنمية هى إبداع مجتمعى خالص، يختاره الناس تعبيرا عن ظروفهم، ويحددون احتياجاتهم، ويواجهون تحدياتهم. فى الحقيقة ما تحتاج إليه الدول ليس طرفا خارجيا يملى عليها روشتة سياسية أو اقتصادية، ولكن هندسة سياسية داخلية ترسى دعائم البنية الأساسية للتنمية المستدامة. فإذا كانت التنمية إبداع خاص من شعب، فإنها لن تكتمل دون إبداع خاص أيضا فى وضع الترتيبات المؤسسية التى تعين المجتمع على تحقيق التنمية. هذه هى خبرة المجتمعات طوال عقود من سعيها لتحقيق التنمية بوصفها عملية شاملة اقتصادية اجتماعية سياسية.
هذه الدعائم عديدة، ولكن أهمها خمس على وجه الخصوص.
أولا: بناء المؤسسات القادرة على أداء وظائفها، بكفاءة وفعالية ورشد، وتتخلص من الأمراض المؤسسية المعروفة من محسوبية وشللية، ومحاباة، وبيروقراطية، وعدم وضوح اللوائح، وغياب الموضوعية، الخ. ويكتمل بناء المؤسسات بوجود العنصر البشرى القادر على إدارتها، وتطويرها، وإنجاز الخطط الموضوعة.
ثانيا: المساءلة والشفافية، وتعنى أن يُقدم كشف حساب عما ينجز من عمل فى ضوء التصور القائم، والميزانية المحددة، وقياس الأثر الاجتماعى للمشروعات، والسبب أن كثيرا من المشروعات الكبرى، رغم أهميتها قد لا تحقق مردودا اجتماعيا ينتظره المجتمع أو يخدم كل فئاته، ولا يقتصر على شرائح معينة دون غيرها.
ثالثا: التمكين والاستيعاب لكل الآراء والاتجاهات والرؤى على أرضية وطنية، مادامت تقدم ما يفيد المجتمع، ويعلى من قدره، فإذا كانت المشروطية السياسية وفرض النماذج التنموية المستوردة تعبر عن استعلاء الغرب الاستعمارى القديم، فإن المشاركة الواسعة، واستيعاب كل الآراء، أيا كانت، يمثل ضمانا أساسيا أن يكون الإبداع الوطنى الخاص فى مجال التنمية من صنع المجتمع، ويعبر عن تطلعاته، ويحقق أهدافه.
رابعا: حماية حقوق الإنسان من العنف والفقر والتهميش والإرهاب، فإن غاية التنمية هى الإنسان، ولا يمكن أن تحدث تنمية حقيقية دون الارتقاء بحال الانسان، أو تنتهك حقوقه الأساسية بأى مبرر، ولكن مصطلح حقوق الانسان، فى ذاته، ديناميكى، وليس ثابتا، يتعلق بتطور المجتمع، وتجربته السياسية. بالطبع حقوق الانسان السياسية جوهرية مثل حرية التنظيم، وحرية الرأى والتعبير، ولا يستقيم مجتمع بدونها، ولكن أيضا حقوق المواطن فى الحياة الآمنة ضد العنف والإرهاب صارت جوهرية فى سياق العنف الذى نعيش فيه، ولا يصح تهميشها، لأن الحق فى الحياة الآمنة المستقرة لا يزال فى طليعة الحقوق الأساسية.
خامسا: الإعلام والمعلومات مسألة أساسية لتحقيق الشفافية والنزاهة فى الحياة العامة، والمعنى المقصود أن يكون الإعلام فاعلا، حرا، قادرا على المساهمة فى تحقيق التنمية المستدامة من خلال التركيز على جهود مكافحة الفقر، والمساواة بين الجنسين، وتمكين المرأة، ومواجهة الفساد، وغيرها، وفى الوقت نفسه يواجه كل الأفكار السلبية التى تشكك المواطن فى عملية التنمية الجارية فى مجتمعه، وتدفعه إلى تبنى أراء سلبية أو الانخراط فى أنشطة غير هادفة. وحتى يستطيع الإعلام أداء دوره يتعين أن تكون هناك حرية فى تداول المعلومات، وكشف الحقائق أمام الناس، دون تستر أو تهوين أو تهويل، وفى أحيان كثيرة تتضرر الحكومة ذاتها من عدم كشف الحقائق أمام مواطنيها، خاصة إذا كانت هناك مشروعات تقوم بها، أو تحديات تواجهها يجهلها المجتمع، وهذه مسئولية الإعلام الحر.
لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى رابط دائم: