رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«سيزيف» المصرى حامل الصخرة

سيزيف, كما تقول الأسطورة الإغريقية القديمة رمز المعاناة الأبدية، إذ حكم عليه أن يحمل صخرة ثقيلة ويصعد بها إلى أعلى الجبل، وفى كل مرة يكاد سيزيف أن يصل إلى قمة الجبل حتى تتدحرج الصخرة فتسقط فى الوادى، فيحملها فوق كتفيه مرة ثانية ويصعد بها إلى الجبل فتسقط مرة أخرى ليعود ويحملها من جديد، وهكذا تمضى دورة المعاناة.

مصر اليوم تكاد تشبه سيزيف، ففى كل مرة تنهض من رقادها وتمضى على طريق البناء حتى تنتكس وتعود أدراجها من حيث بدأت، وأحياناً إلى أسوأ من البداية. لقد شعر المصريون بأنهم حملوا صخرة معاناتهم وصعدوا بها إلى قمة الجبل بعد نجاح ثورتهم فى 11 فبراير 2011 لكنها تدحرجت منهم ليعيشوا فترة صعبة من الفوضى والانفلات الأمنى والبلطجة، وحينما تصوروا أنهم رفعوا صخرة المعاناة مرة أخرى وصعدوا بها إلى الجبل عشية تنظيم أول انتخابات حرة فى تاريخهم سرعان ما سقطت الصخرة ليعرفوا معنى التشرذم والانقسام والفشل فى إدارة شئونهم، ثم يحملون الصخرة مرة أخرى ويحاولون الصعود بها بعد خروجهم الغاضب بالملايين فى 28 و29 يونيو2013 وما أن قطعوا شوطاً فى البناء والنهوض من عثراتهم حتى اشتدت المعاناة مرة أخرى والتبست الحقائق فى الأذهان فتهتز الصخرة من أيديهم ما بين دعوات التحمل والصبر للصعود إلى قمة الجبل ودعوات إلقاء الصخرة والهبوط إلى الوادى لنبدأ رحلة المحاولة والصعود من جديد.

قبل سنوات عشنا مرحلة تردت فيها الأحوال وعمّت الفوضى وقطعت الطرق وتشرذم المصريون وبتنا على بعد ذراع من سيناريو الاقتتال الداخلى، وكان طبيعياً أن ينصرف الناس عن العمل والإنتاج فلم يتجاوز معدل النمو السنوى 2% واجترأت إثيوبيا بالفعل على الشروع فى بناء سد النهضة وبالتحديد لمن لا يتذكر فى أوائل إبريل 2011، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها. وكانت فنادق القاهرة مرتعاً لرجال مخابرات دول أجنبية وليس هناك من دار ولا مهتم بما يجرى ولا سائل، وتدفقت أموال مريبة المصدر على جماعات وجمعيات لم تكن تدرى أحياناً فى أى أنشطة تنفقها ! ثم تجاوزت مصر هذه اللحظات الصعبة والمخيفة بثمن غال من دماء المصريين دون تفرقة بين دم ودم سواء كان من الشعب أو الشرطة أو الجيش. واستجمعت مصر قواها ولملمت جراحها النازفة ومضت تستعيد ثباتها ولحمتها، تبنى وتصلح وتقتحم القضايا المتراكمة المزمنة، وتشيد مدناً فاخرة لتبيعها إلى الأثرياء ومدناً للفقراء وبدائل العشوائيات معاً وفى نفس الوقت، وتستخرج بهمة ثرواتها من النفط والغاز، وتنشئ محطات الطاقة والكهرباء، وتسترد أموالها المنهوبة من سارقى المال العام الذين فروا بليل عشية ثورة 25 يناير، وتستعيد أراضيها التى استبيحت وبيعت بأرخص وأبخس الأثمان، وأحياناً بلا ثمن، وتواصل بيدٍ تقوية جيشها بأسلحة حديثة لحماية مصالحها المنظورة أو المهدّدة وبيدٍ أخرى ينزل جهاز الخدمة المدنية إلى الشوارع ليتيح للفقراء على عربات متنقلة ما تيسّر من سلع غذائية بأسعار رخيصة لعلها ترحمهم من جشع من لا ضمير لهم. وتقود أكبر حملة فى تاريخ مصر الحديث لمكافحة الفساد حتى أصبحنا نطالع ما يشبه النشرة الأسبوعية لهيئة الرقابة الإدارية بحالات الفساد التى تم كشفها، فمتى كان شيء كهذا يحدث فى مصر من قبل؟

وسط كل هذه المحاولات للإصلاح والنهوض والبناء تحدث أخطاء أو تجاوزات هنا أو هناك. هذا أمر وارد ومتوقع، وسيظل كذلك فى كل مكان وزمان، وهل ننسى النكتة اليابانية التى انتشرت فى منتصف ثمانينيات القرن الماضى فى صورة سؤال عن سبب انخفاض معدلات السرقة فى اليابان وكانت إجابة السؤال: لأن معظم المسئولين فى السجون؟ ليس ثمة تجربة إذن بلا أخطاء، ولا إصلاح بدون عثرات، ولا مشروع وطنيا بدون استهداف خارجى وداخلى. والمؤكد الذى يرقى إلى حد اليقين أن هناك من تضررت مصالحهم وتقلّصت مكاسبهم وتهددت مواقعهم فى عصر الدولة القوية التى لم يألفوها من قبل. هؤلاء المتضررون ظاهرون فى الحياة الاقتصادية وربما كامنون أيضاً فى بعض دواليب البيروقراطية الإدارية الذين تربوا فى حضن وتدليل الدولة الرخوة المتواطئة ولم يعرفوا مخالب الدولة القوية الحاسمة.

لقد ثار المصريون مرتين فى 25 يناير و30 يونيو وفى المرتين حمل المتظاهرون صوراً لما اعتبروه أيقونة الثورة. أما هذه الدعوة الحالية للتظاهر فهل تكون أيقونتها رجل مقاولات يقول إنه لم يحصل على مستحقاته المالية نظير أعمال يعترف هو صراحة بأنه متورط فيها بالفساد؟ وبصرف النظر عن هذا الباعث الأنانى الرخيص والمضحك والذى يسيء إلى فكرة التظاهر ذاتها فإن تجريد المشهد الحالى من خلفيته الكاريكاتورية يقود إلى أسئلة لا يمكن تجاهلها. أحد هذه الأسئلة من هى القوى والجهات التى تقف وراء هذا التحريض المفاجئ، على الأقل فى الطريقة التى يتم بها ترويجه والتسويق له؟ هناك بالطبع جهات معروفة بمعاداتها الصريحة والمعلنة لنظام الحكم الحالى سواء كانوا من التيار الدينى أم غيره وليس فى تأييد هؤلاء لدعوات التظاهر أمر غريب أو مفاجئ. السؤال هو من غير هؤلاء يريد أن تسقط الصخرة لنعود نحملها ونصعد بها من جديد؟ هل هى قوى وجهات إقليمية لا تريد نهوضاً تقوده دولة وطنية مصرية طموح؟ هل هى قوى دولية تتوجس تاريخياً من صعود العسكرية المصرية الباحثة عن استعادة نفوذ قديم وقد تكون معوّقة لمشروعات وخرائط الشرق الأوسط الجديد؟ هل هى قوى داخلية اقتصادية أو بيروقراطية تقلّصت كعكتها المحلّاة بالعسل الحرام المودع أكثره فى مصارف سويسرا وجزر الجنات المالية إياها؟ أم هل هم معاً كل هذه القوى والجهات التى تتلاقى أو تتقاطع مصالحها وإن اختلفت منطلقاتها وحساباتها؟.

الجزء الآخر من السؤال الذى لا ينفصل عما سبق هو أنه لا يعيب أى تجربة إصلاحية وتنموية أن تواجه السلبيات والأخطاء اولاً بأول. فلم يعرف التاريخ كله سواء فى مصر أو خارجها، لا قديماً ولا حديثاً، مشروعاً بلا أخطاء، تلك حقيقة تكاد ترقى إلى مصاف البديهيات التاريخية. ما يُقال من ملاحظات أو انتقادات أو ترهات أحياناً بشأن هدر هنا أو خلل بيروقراطى هناك فما أسهل معالجة الأمر ،كما يحدث فى كل بلدان العالم وأكثرها تقدماً متى كانت هناك جهات تراقب وتلاحق وتسائل. ثمة سؤال آخر حول كيفية معالجة الملف الحقوقى فى إطار من التوازن المطلوب بين ضرورتى الأمن والحرية بحيث لا نضحى بإحداهما كلية لمصلحة الأخرى، وإلا فإن النتائج قد تأتى بعكس ما نريد. أؤمن دائماً ليس فقط كأكاديمى حقوقى ولكن أيضاً كوطنى مصرى أن هناك مساحة نسبية من الممكن للتوفيق بين الضرورتين بعيداً عن الاختيارات الصفرية المطلقة التى تهدد بتحوّل الحرية إلى فوضى والأمن إلى استبداد. وأؤمن أيضاً بأن الحقوق الاقتصادية والصحية والتعليمية ذات أولوية لكى يتحرّر الناس من قيود الحاجة والمرض والجهل لأن الحق فى التعبير عن الرأى السياسى رغم جوهريته قد لا يعنى الكثير لمن يحتاج إلى رغيف خبز أو سرير فى مستشفى أو تعليم أساسى مجانى بلا دروس خصوصية تقصم ظهور الفقراء. فى نهاية المطاف يبقى ممكناً ومطلوباً ومجدياً معالجة الملف الحقوقى ليس فقط لأنه كفيل بلملمة جراح أو ترضية نفوس لكن أيضاً لأنه يسحب البساط من تحت أقدام المتربصين.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: