رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

سوق الكلام

هل يمكن أن يتحول الكلام إلى ما يشبه السلعة التى تباع وتشترى فى الأسواق؟ يحيل هذا السؤال الشائك إلى سؤال آخر: هل يمكن أن يتحول الكلام إلى ملكية مثلها مثل رأس المال؛ يقل ثمنه وينقص وفقاً لاستخداماته؟ وهل يمكن أن يتحول الكلام إلى سلعة لا قيمة لها؟ وهل يمكن أن يستخدم لجلب الضرر؟ دعونا أولاً نتجه نحو التعرف على ماذا نقصد عندما نتحدث عن الكلام. الكلام فى اللغة هو اللفظ المفيد، الذى له معنى يستطيع السامع أن يفهمه فى ضوء الاتفاق الجمعى على معرفة ألفاظ اللغة ودلالاتها؛ ولا يختلف المعنى المستخدم فى الدراسات الثقافية عن المعنى اللغوى، فالكلام هو خطاب مرسل يحتوى على ألفاظ لها معان ودلالات، وهو أداة التواصل بين الأفراد. ويتسم الكلام بالحركة والتدفق. وتفرض الثقافات المختلفة على أعضائها أساليب معينة للتخاطب، يتعلمونها منذ الصغر، ويتم تهذيبها وصقلها كلما تراكمت خبراتهم عبر الزمن. ويسعى بعض الأفراد إلى تعلم فن الكلام؛ بل إن فن الكلام أصبح فى بعض المهن (مجال الوعظ والارشاد والإعلام على سبيل المثال) أصبح مهنة يتم تعلمها. ويختلف الأفراد فى ملكيتهم لما يمكن أن نسميه الذخيرة أو رصيد الكلام، كما يختلفون فى الطرق التى يعبرون بها عن أنفسهم، وفيما يتملكونه من مهارات كلامية، ومن قدرة على استخدام لغة الجسد مع التعبيرات الكلامية، وفى القدرة على ترْصِيع الكلام باقتباسات أو أقوال مأثورة أو أشعار أو قصص وحكايات.بناء على ذلك، يمكن النظر إلى الكلام على أنه رصيد ثقافي, فكل فرد يمتلك ذخيرة كلامية، تتكون من ألفاظ لها معان، وملكات ومهارات كلامية، ورصيد كلامى يظل ساكناً داخله إلى أن يأتى الوقت الذى يخرج فيه. ويخرج الكلام فى تعاملات الحياة العادية فى الأسرة, وفى العمل, وفى أشكال التبادل العام فى الشارع وفى المقهى والمطعم ووسائل المواصلات, وفى المجال العام داخل الحزب والنقابة والمؤسسات المدنية, وفى أى شكل آخر من أشكال التفاعل.

وعندما يستخدم الكلام فإنه يؤدى أغراضا معينة لدى مستخدميه, وهى أغراض تتدرج من أساليب التحية البسيطة إلى شرح موضوع قد يأخذ بعض الوقت. وهنا يمكن أن نقيم مماثلة بين عمليات استخدام الكلام وبين عمليات البيع والشراء فى عالم السوق. فذخيرة الكلام تبدو هنا وكأنها سلعة تباع وتشترى, فكل طرف يستخدم ما لديه من مهارات لتحقيق أكبر قدر من الفائدة أثناء عمليات الحوار، وكلما يتصاعد الحوار تتصاعد عمليات الربح والخسارة، ويبدو الأمر فى النهاية وكأننا إزاء عملية تفاوض على صفقة أو سلعة. ويفترض مثل هذا الطرح عملية عقلانية، تقوم على استخدام الكلام بشكل عقلانى يحسب الربح والخسارة.

ويقوم استخدام الكلام بشكل عقلانى على نموذج عقلانى مثالى للسوق، نموذج يمتلئ بالاختيارات الحرة الرشيدة فى السلوك, لذا فإنه أكثر ظهوراً فى المجتمعات الأكثر تقدماً. هنا تكون سوق الكلام منضبطة وعقلانية. حقيقة أن ثمة خروجا عن العقلانية فى بعض الأحيان، وثمة زيادات فى الكلام، ولكنها توجد عند الحدود الدنيا، وتصبح فى كثير من الأحيان منبوذة لا رغبة قوية فيها. ويجب ألا يفهم من هذا أن المجتمعات المتقدمة تمثل نموذجا معياريا يجب القياس عليه؛ فقط نريد أن يكون مفهوماً لدينا أنها تكون أقرب إلى نمط السوق العقلانية لاستخدام الكلام، حيث يعرف المجتمع شفرة واضحة لاستخدام الكلام والرقابة عليه.

ولكن ماذا عسى لو غابت هذه الشفرة أو ضعفت أساليب الرقابة الذاتية والخارجية على الكلام؟ هنا يظهر نمط مختلف لسوق الكلام، يمتلئ بتدفقات كلامية، أطلق عليها أحيانا ملاحم الكلام. وأقصد بها الكلام الذى يتدفق هنا وهناك فى أشكال من المبالغة، وبطرق غير منضبطة لا شفرة فيها، وبأساليب قد تخرج عن الأصول بكلام أجوف، أو كلام راجم، أو كلام صادم...إلخ صور الكلام التى تتزاحم فى مسلسلات ملاحم الكلام. وعندما استخدم عبارة ملاحم الكلام فى هذا السياق، فإننى أقصد أن يلتفت معى القارئ الكريم إلى حقيقة مهمة مفادها أن الكلام عندما يجاوز الشفرة، ولا يعبأ بالانضباط ولا يحترم الوقت، فإنه يفوق فى حجمه ما هو مطلوب منه، ويصبح مطلوباً فى حد ذاته. . يخرج الكلام عن إطاره العقلانى المنظم، ويدخل فى سوق مفتوحة، ليس لها بداية أو نهاية، سوق أشبه بالفسيفساء التى تحمل كل الألوان والأشكال، أو أشبه بالسوق الشعبية المزدحمة التى تختلط فيها الأصوات بالأجساد بصنوف السلع، فلا تهدأ إلا إذا انفضت.

ولكن لماذا يظهر هذا النمط من الكلام المفكوك؟ هنا يمكن الحديث عن ذخيرة الكلام بوصفها رأس مال. وغالبا ما تعوض هذه الذخيرة الكلامية أصحابها عن نقص رءوس الأموال الأخرى (المادية والثقافية والاجتماعية) أو هى تزيدها وتنضاف إليها فى حالة وجودها. إن الكلام يستخدم هنا كأداة تعويضية تمنح أصحابها شعورا (زائفا فى معظم الأحوال) بأنهم يملكون شيئا ما. ولعل رفع الصوت بالكلام يعتبر فى هذه الحالة رمزا لحضور هذه الملكية، والرغبة فى أن يعترف بها الآخرون. ولعل استخدام الكلام فى البطش أو الزجر أو السخرية يعتبر أيضا رمزا لهذه الملكية. فى هذا الظرف يصبح من لا يملك أشكالا أخرى من رأس المال، يمكن أن يجعل من الكلام رصيده الأول، إلى درجة أننا يمكن أن نطور هنا قانونا عاما بأن من لا يملك يملك الكلام.

تبقى كلمة أخيرة حول الأثر السلبى لهذه المنظومات أو الملاحم الكلامية؛ لن أستطرد هنا فيما يستنفده الكلام من وقت، أو ما يؤدى إليه من صور العنف أو التباعد الاجتماعى، ولكنى سوف أنهى بالإشارة إلى أن سوق الكلام الفسيفسائية المنفلتة لا تأخذ المجتمع إلى الأمام قط، بل إنها تشده بسلاسل إلى أسفل. وغالباً ما يخضع القطاع الحديث المنظم لهذه السلاسل الكلامية، فينتهى الأمر إلى تأخر تطور المجتمع، واتجاه حركته نحو التقاليد والماضى أشد من حركته نحو الحداثة واستشراف المستقبل.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: