رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الظاهر والمعتم فى المسألة الإرهابية

ربما كان يحسن أن أبدأ هذه المقالة بواقعة محدّدة تعود إلى العام 2000 ولا تخلو من دلالة ودليل على أن التوظيف السياسى للإرهاب من جانب دول وقوى كبرى ليس أمرا طارئا أو جديدا. ففى هذا العام كانت تدور فى فيينا مفاوضات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وكان لى شرف أن أكون عضوا فى الوفد المصرى المشارك فيها. ولأن موضوع الاتفاقية كان هو مكافحة أشكال الجريمة المنظمة العابرة للحدود فقد كان لمصر مطلب بسيط ومنطقى وهو إدراج الأنشطة الإرهابية كجرائم منظمة تشملها أحكام الاتفاقية. لكن كانت المفاجأة هى رفض الوفد الأمريكى بإصرار وعناد المقترح المصرى والذى كان مدعوماً بتأييد دول أخرى تعانى ويلات الإرهاب. وبالرغم من قانونية المقترح المصرى بل وبديهيته ظل الرفض الأمريكى قائماً وكان مبرره (الظاهري) أن الإرهاب موضوع سياسى تجب معالجته فى الأمم المتحدة فى نيويورك وليس فى اتفاقية قانونية لمكافحة الجريمة المنظمة. بدا هذا الرفض مريباً ويفتقر لأى أساس قانونى لأن الجرائم الإرهابية العابرة للحدود تستوفى كل الأركان والشروط التى تجعل منها جريمة منظمة وفقاً لأحكام الاتفاقية نفسها. وأمام تمسك الوفد المصرى بمقترحه كان الحل الوسط المتاح هو تضمين ديباجة الاتفاقية على استحياء فقره متواضعة تنص على ما هنالك من روابط بين الجريمة المنظمة والجريمة الإرهابية. لم يكن هذا كل ما يريده الوفد المصرى لكنه كان على الأقل أقصى ما أمكن الحصول عليه فى اتفاقية عالمية. المفارقة أن كل هذا قد حدث قبل التفجيرات الإرهابية الشهيرة فى 11 سبتمبر 2001. تغيّر بعدها الموقف الأمريكى ثم سرعان ما عاد إلى سيرته الأولى فى موقفه الغامض والمزدوج فى التعامل مع الجماعات الإرهابية.

من يومها لم يعد خافيا أن التوظيف السياسى للإرهاب من جانب القوى الدولية الكبرى يتم بشكل ظاهر وفج حيناً، وبشكل معتم ومراوغ حيناً آخر فى إطار فصل جديد من لعبة الأمم. لا نعرف على وجه التحديد كيف تتم توافقات المصالح وتكتيكات التفاهمات لكننا ندرك بالعقل والمنطق أن تمويل الجماعات الإرهابية وتزويدها بسلاح كالذى تستخدمه الجيوش النظامية لا يمكن أن يحدث هكذا فى الهواء الطلق بمعزل عن دول وقوى كبرى. طبيعى أن يكون للظاهرة الإرهابية تشخيصها المجتمعى الداخلى والذى لم يعد فيه جديد يمكن إضافته، لكن أن يكون للإرهاب جذوره الداخلية فهذا لا ينفى واقع توظيفه الخارجى من جانب دول وقوى بهدف إنهاك مصر وإضعاف قدراتها. وما زالت عبارة «الفوضى الخلّاقة» الشهيرة لكوندواليزا رايس مستشارة الأمن القومى الأمريكى السابقة تحمل أكثر من إشارة ودلالة فى هذا السياق.

الجانب الظاهر فى المسألة أن عفريت الإرهاب الذى تم تحضيره فى جبال أفغانستان فى بداية ثمانينيات القرن الماضى لا يريد أن ينصرف، والأدق أن الذين قاموا بتحضيره لا يريدون أو لا يستطيعون صرفه! ما زالت الذاكرة الحديثة شاهدة على الدور الأمريكى والبريطانى والباكستانى بل ودور بعض الدول العربية فى تجنيد وتمويل عشرات الآلاف ممن كان يطلق عليهم آنذاك «المجاهدون» ضد الغزو السوفيتى لأفغانستان. كان الخوف الأمريكى على الأقل متسقا مع نفسه خشية اقتراب الدب الروسى من مناطق نفوذه فى الشرق الأوسط ومن حقول النفط العربى. لكن ما كان غير مفهوم تماماً هو قيام الآخرين بدور «مقاولى الأنفار» الذين يوفرون العناصر البشرية للجهاد ويؤججون العاطفة الدينية للشباب ويستثيرون حماستهم بدعوى مقاومة الإلحاد والكفر. ومن يومها بدأ مجاهدو أفغانستان يكتسبون خبرات قتالية جديدة، ويضمون أنصاراً جدداً، وينظّرون أفكاراً جديدة، وينشئون التنظيمات الإرهابية التى تتناسل وتغير من أسمائها فيما يشبه إعادة تدوير الإرهاب ربما للتمويه وربما لزوم متتالية النشوء والتطور. كان ما جرى ويجرى فى سوريا والعراق وليبيا وسيناء وربما غيرها من قبيل التوظيف السياسى للإرهاب كقوى للفوضى تفت فى عضد الدولة الوطنية وتهدد استقرارها وتمهّد للتقسيمات والخرائط الجديدة فى الشرق الأوسط. بدا ذلك أشبه بممارسة الرقص مع الشيطان الإرهابى فى لعبة التوافقات التكتيكية والتى وصلت إلى حد التنسيق الظاهر مع بعض الجماعات الإرهابية فى سوريا فى كل مرة يبدو أن الدولة فى سوريا تستعيد زمام الأمور.

وبالرغم من أن الدول التى قامت بتحضير عفريت الإرهاب فى أفغانستان منذ نحو أربعين عاما قد اكتوت بناره من آن لآخر فإن أسئلة كثيرة ما زالت تبحث عن إجابة فى علاقة هذه الدول ببعض الجماعات الإرهابية. ولهذا فما زال فى مسألة التوظيف السياسى للإرهاب وجه معتم آخر. إذا طبقنا القاعدة المعروفة عند وقوع جريمة أو حادث وهى ابحث عن المستفيد فلا شك أن المستفيدين كُثر. فإسرائيل على سبيل المثال وبالرغم من أنها تشكو ظاهريا من الإرهاب وتجعل منه أحد المفردات الثابتة فى خطابها السياسى، فإنها تبدو مستفيدة. ففى كل مرحلة يكثر فيها الحديث عن تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» يكتسب خطاب حل الدولة الواحدة فى فلسطين زخما جديدا وتجد إسرائيل لنفسها مبرر المطالبة المزعومة بدولة لليهود فقط. هذا بالطبع بخلاف ما تستفيد به إسرائيل من استخدام الجماعات الإرهابية فى محاولة تقسيم سوريا وإنهاكها واستنزاف مقدرات الدول العربية بوجه عام.

ما زلت أتذكر فى السياق نفسه إجابة عضوة يسارية فى البرلمان الفرنسى عن مقاتلى داعش الوافدين من فرنسا وهل كان يخفى على السلطات الفرنسية ذلك؟ كان السؤال فى مؤتمر حضرته عن حوار الثقافات فى أذربيجان منذ سنوات، كان رد البرلمانية الفرنسية مفاجئا وشجاعا حين قالت بالحرف الواحد «ليس هناك من تفسير سوى أن حكومتنا تأخذ بسياسة اترك هؤلاء يقتلون بعضهم البعض» let them killing each other .

خلاصة الأمر: أن المجتمع الدولى نفسه ومن خلال مؤسساته الأممية يبدو كثير الكلام قليل الفعل فى مسألة مواجهة الإرهاب. ولو كانت الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن أو غيره قد فعلت ما أجازت أمريكا لنفسها أن تفعله حماية لمصالحها ونفوذها لتغيرت أمور كثيرة فى المسألة الإرهابية. إن تأمل صياغة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 288-60 فى شأن استراتيجية مكافحة الإرهاب ومعظم الوثائق الأممية الأخرى يكفى لاستخلاص أنها ليست أكثر من أدبيات منمقة لا تخلو من تعميم وغموض ،وكأنها تدعو إلى الشيء وعكسه فى الوقت ذاته، وتكاد أن تعتبر الإرهاب منتجاً محلياً يخص أهله وحدهم. وننسى جميعاً أنه لولا إغماض العين عن تمويل الإرهاب، ولولا تسليحه بكل ما هو متطور، ولولا التفنن فى توفير ملاذات للإرهابيين لما كانت الجماعات الإرهابية تعيش حقبة ازدهارها الكبير.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: