الشلة إحدى التكوينات الاجتماعية التى لها تأثير فى المجتمع، رغم أنها لا تخضع عادة إلى دراسة أو تحليل عميق مقارنة بالأسرة أو الجماعة الدينية أو أصحاب الانتماء الجغرافى الواحد، وغيرها. هى مجال الصداقة، والعمل، والبيزنس، والترفيه، وتدوير الجوائز والمكافآت، ومواجهة الخصوم، وممارسة النميمة. فى كل هذه الأدوار التى تقوم بها الشلة تبدو المصلحة هى الخيط الرفيع الذى يجمع أفرادها، ويحافظ على بقائهم فى عضويتها.
بالتأكيد فى كل المجتمعات، أيا كانت، درجة تقدمها هناك الشلة. عندما اختلف رئيس وزراء بريطانيا الأسبق تونى بلير مع السياسى اللامع روبن كوك، وسعى إلى وضعه فى دائرة الظل، تساءل كثيرون كيف حدث ذلك؟ كانت الاجابة أن كليهما زميلان فى الحكومة، وقياديان فى حزب العمال، ولكن لا يلتقيان فى المساء. الشلة إذن فى كل المجتمعات، ولكن تأثيرها يزداد فى الدول الأقل تقدما، نراها فى السياسة، والفن، والإعلام، والثقافة، والبيزنس، والبحث الاكاديمى، حتى كرة القدم. وعندما ظهر فى المجتمع المصرى حراك شبابى فى عام 2011م، رغم أنه انتفض ضد نظام سياسى، اتهم بالشللية، أفضى هذا الحراك عن بروز شلة ممن أطلق عليهم نشطاء، وهو مصطلح يجسد مفهوم الشلة فى ذاته، لأنه لا ينتظم على أساس مهنى أو علمى أو وظيفى. الشلة بحكم التعريف تقوم على العلاقات المصلحية، وتسعى لتسويق أعضائها، وقصر المزايا عليهم، والهيمنة على المجتمع، وتهميش الآخرين بقصد أو دون قصد، وهو يشكل نقيضا للموضوعية، ويحرم قطاعات من الموهوبين من الوصول إلى المواقع التى يستحقونها لأنهم خارج الشلة.
باختصار هى حالة مرضية ضد الكفاءة، تحول المصلحة العامة إلى شأن خاص، وتعرقل الحراك الاجتماعى من خلال غلق منافذ التغيير، ويصبح الشخص الموهوب خارج الشلة يعانى من أجل الحصول على فرصة. وقد لا تكتفى الشلة بإعاقة الاشخاص ذوى الكفاءة، لكنها قد تتحول فى ذاتها إلى إحدى أدوات الفساد، وكم من شلل انتظمت حول التربح والامتيازات. وإذا كانت الشلة تعبير عن علاقات وثيقة بين أفراد، فيجب أن نعرف أن ليس كل تضامن ايجابى فى حق المجتمع، بل هناك أشكال من التضامن لها نتائج سلبية. نتذكر المقولات التى قدمها عالم الاجتماع السياسى الشهير روبرت بوتنام عند حديثه عن نوعين من التضامن فى المجتمعات: التضامن المستنير الذى يقوم على المساندة والدعم والخدمة العامة، والتضامن المظلم الذى يقوم على الأنانية المفرطة، والافتئات على المصلحة العامة. بالتأكيد هناك أفراد يجمعهم تضامن مستنير فى خدمة غاية انسانية، وهناك الشلة التى يجمع أفرادها تضامن مظلم يقوم على تحقيق أغراض ذاتية، وتوزيع المنافع.
الإشكالية أن الشلة متغلغلة فى نسيج المجتمع ليس فى السياسة أو الإدارة العامة فقط، ولكن انسحبت أيضا إلى مجالات يُفترض أنها تعتمد على الإبداع مثل الثقافة والفن، حيث تمنع وصول الكفاءات إلى مواقع يستحقونها، وتدفع بدلا منهم محدودى الموهبة. وبمرور الوقت تتحول الشلة إلى مركز قوة فى المجتمع نظرا لاستئثار أعضائها بالمواقع المؤثرة. اللافت أن كثيرين منذ عقود، وليس اليوم فقط، ويتحدثون عن الشلة فى دوائر النفوذ، ولكن يغفلون ما ينتشر فى المجتمع من شلل فى كل المجالات، والتى لا تأثير أو سلطة للحكومة عليها، بما فى ذلك المجالات التى تندرج فى إطار المجتمع المدنى، الذى يفترض أن يقوم على التفاعل الحر، ومشاركة المواطنين، وإطلاق الكفاءات، نجد فيه أيضا شللا من الخبراء والنشطاء يسيرون مقاديره، ولم يخل التمويل الخارجى المقدم لهيئات مدنية، فى العقود الأخيرة، من الشللية، ساعد على ذلك سلوك الممول ذاته الذى يميل إلى التعامل مع شلة. ما أريد قوله إن الشلة إحدى التكوينات الاجتماعية، غير المصنفة, فى المجتمع، ليست فى مجال بعينه، تغذيها الدولة أحيانا، لكن تأثيرها فى المجالات الخاصة أكثر وضوحا. والدليل على ذلك أن هناك شكوى مستمرة من انسداد شرايين فى مناح عديدة لا تسمح بتدفق دماء جديدة، وصارت حكرا على مجموعات صغيرة تجمعها المصالح، والعلاقات الخاصة، والرغبة فى الاستحواذ. ومن يتأمل المشهد يصل إلى نتيجة واضحة أن بعض الذين ينتقدون الشللية، هم أنفسهم شلة لكنها أقل حظا من غيرها. الواقع أن إصلاح الأوضاع يتطلب مواجهة جادة مع ثقافة الشلة التى تحكم كل مناحى الحياة، ويموج باطن المجتمع بأشكال من التكوينات المصلحية والانتهازية على أسس مختلفة، وهى مسألة ليست وليدة اليوم، ولم تنشأ بين يوم وليلة، بل تشكلت على مدار عقود، تقف فى وجه معايير العدالة والكفاءة، وأكثر من ذلك تسعى أحيانا لعرقلة جهود الدولة ذاتها فى مجال التنمية.
لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى رابط دائم: