من الأحاديث التى تشهدها المجتمعات ما هو مفيد وصحى حتى لو اتسمت بشدة الاختلاف فى الرأى أحياناً، ومنها ما يبدو كالنفايات التى تتطرق إلى مساحات خاصة لبواعث شخصية تنفى على الفور الثقة والمصداقية. وبقدر ما أن المواقف والخلافات المبدئية تمنح أصحابها وزناً أخلاقياً فإن المواقف والخلافات المبنية على ما هو شخصى وخاص تنزع بالضرورة كل وزن أخلاقى. وسط هذا اللغط يمكن استخلاص عدة أسئلة مهمة لكن الفائدة المرجوة من إجابة هذه الأسئلة تتوقف على دقة طرحها، لأن الأسئلة الملتبسة أو الخاطئة لن تنتج فى الغالب سوى إجابات خاطئة.
ثمة سؤال يتكرّر، هل تكون الأولوية لتنمية البشر أم الحجر؟ السؤال بسطحيته يقود إلى إجابة سطحية وإقصائية وهى طريقة تفكير غير منطقية ولا حتى مجدية. عبارة تنمية الحجر فى مقابل تنمية البشر تبدو غير دقيقة, لأن إنشاء شبكات الطرق والجسور والأنفاق والمطارات والموانئ لا يمكن اختزالها وتسطيحها بوصف تنمية الحجر، ولا كذلك إنشاء مدن وتجمعات سكانية للفقراء فى الإسكندرية ومدن الدلتا والصعيد وبسرعة إنجاز لم نشهدها من قبل، ومن غير الدقيق ولا المنصف أيضاً اعتبار انشاء مناطق اقتصادية جديدة فى محور قناة السويس وغيرها من قبيل تنمية الحجر. هذه مرافق ووسائل لا غنى عنها لأى حركة تنمية اقتصادية يقودها البشر لمصلحة البشر. من البديهيات أن شبكات الطرق والجسور والأنفاق هى ألف باء أى تنمية صناعية أو زراعية أو تجارية أو سياحية لا سيّما فى بلد يعيش فيه مائة مليون نسمة على رقعة أرض محدودة لا تتجاوز 8 أو 9% من مساحة أراضيه. وبغير هذه البنية الأساسية لدفع حركة البشر وخلق مواقع نشاط وإنتاج جديدة لا يمكن تصحيح اختلالات خريطتنا السكانية والتنموية التى يحتكرها المركز الضيق المختنق فى المدن الكبرى على حساب الأطراف الواسعة البعيدة. وبغير هذه الشبكات من الطرق والجسور والأنفاق والمطارات لن نتمكن من القضاء على عزلة أو إهمال سيناء أو الصعيد، وبغير هذه الشبكات ستظل ثرواتنا الطبيعية الهائلة غير مستغلة فى بلد يعتبر من أغنى بلدان العالم فى ثروته المحجرية والمعدنية.
لقد كنا فى زمن سابق ننعى صباح مساء عدم وجود مشروعات قومية وتنموية كبرى وأننا دولة تفتقر إلى الطموح وتفضّل أن تعيش اليوم بيومه. فإذا فعلنا ما كنا نشكو من غيابه بالأمس شكونا مرة أخرى. مفهوم ألا يرضى الإنسان عن حاله ولا الشعوب عن حالها، هذا أمر طبيعى. لا أحد بوسعه أن يقلّل إذن من منطقية ومشروعية بل وأخلاقية الاهتمام بتنمية الإنسان ذاته ومعالجة ارتفاع معدلات الفقر وتدهور الأحوال المعيشية للطبقة الوسطى أو معاناة شباب الباحثين وأساتذة الجامعات وهم عصب التقدم العلمى فى المجتمع، ولا فى معاناة غيرهم أيضاً. المعضلة والحل أيضاً، والكلام هنا لخبراء الاقتصاد، أننا نحتاج إلى ثلاثة: تراكم النمو بمعدل لا يقل سنوياً عن 7% لعدة سنوات+ معدل استثمار مرتفع ومطرد+ مضاعفة الصادرات خمس مرات على الأقل. هنا يتحوّل (النمو) من مجرد مؤشرات كلية للاقتصاد القومى إلى واقع من (التنمية) التى يشعر بها الناس وتغيّر أحوالهم بارتفاع مستوى الدخل وتحسن خدمات التعليم والصحة والنقل. تلك هى المعضلة التى واجهت من قبل دولاً مثل الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها، وكان ذاك أيضاً هو الحل. هذا هو الطرح الصحيح والصريح لسؤال التنمية، وكل حل من هذا النوع ينطوى بالضرورة على قدر من المعاناة لا سيّما لدى الطبقات الفقيرة والمتوسطة. هناك إذن آثار جانبية مؤلمة لدواء الإصلاح الجذرى فهل يمكن البحث عن علاجات ولو مؤقتة لهذه الآثار الجانبية؟
ثمة سؤال آخر ملتبس حول ما إذا كان إنشاء مدينتى العاصمة الإدارية والعلمين يخالف منطق التنمية المتوازنة ويتجاهل أولوياتها؟ الإجابة (الداخلية) المتاحة رسمياً هو أن الإنفاق على العاصمة الإدارية جاء من خارج موازنة الدولة، وهذا بعد بالغ الأهمية. وهو إنفاق لا بد أن يؤدى إلى عوائد بيع أو إيجار الأصول العقارية للمصريين أو الأجانب أفراداً أو شركات. أما ما يُقال عن مدينة العلمين الجديدة فلابد من تقييمه على ضوء دلالة الأسعار الهائلة لبيع الشقق والتى بلغت 65 مليون جنيه للشقة الواحدة. بالطبع الرقم لا يخلو من استفزاز فى دولة فقيرة، لكنه فى النهاية يخص المجتمع وحده لا الحكومة، بالعكس الحكومة هنا تبدو مثل التاجر الشاطر الذى نجح فى استغلال وتسويق مناطق كانت مهملة ليكسب المليارات من جيوب الأثرياء والمفترض أن يُعاد توظيفها داخل مسارات تنموية أخرى أكثر إلحاحاً. أما الإجابة (الخارجية) على ما يبدو وكأنه استثمار مستفز ومظهر رفاهية فى دولة فقيرة فتقدمها دول مثل ماليزيا وإندونيسيا والإمارات وغيرها ذات الجزر والمنتجعات الفاخرة التى تمثل قطاعاً سياحياً شديد الحيوية والإنتاجية فى الاقتصاد القومى للدولة. إننا لم نكن نعرف قيمة شرم الشيخ للأسف إلا بعد أن احتلتها إسرائيل وأعادت اكتشاف إمكاناتها الطبيعية والسياحية الهائلة. وبالمنطق نفسه فإن الدولة التى لا تحسن توظيف وتسويق ما تمتلكه من طبيعة ساحرة ومياه فيروزية صافية وشواطئ رملية منبسطة ونظيفة فى منطقة مثل العلمين ولا تفعل ذلك لهى دولة فاشلة.
سؤال مكافحة الفساد لا يقل بدوره التباساً فى الطريقة التى يُطرح بها. الحديث عن إنشاء عدة مبان جديدة عصرية هنا أو هناك قد يكون مفهوماً من باب ترشيد الإنفاق لكنه يبدو متحاملاً ومتجنياً حين يوصف بالفساد، ليس فقط لأن هذه أصول عقارية مملوكة للدولة فى نهاية المطاف ولكن أيضاً لأننا نتجاهل الوقائع والقضايا والأرقام التى استطاعت مؤسسات الدولة وفى مقدمتها هيئة الرقابة الإدارية الكشف عنها وملاحقتها. والواقع أن السؤال الصحيح الجدير اليوم بالنقاش هو: هل تتم مكافحة الفساد أم مهادنته؟ نحن نتندر بأرقام الفساد التى سبق أن أعلنها الرئيس السابق للجهاز المركزى للمحاسبات، وهى أرقام هائلة كانت تخص بالأساس سنوات سابقة. اليوم يجب طرح السؤال على ضوء عدد قضايا الفساد فى مواجهة وزراء ومحافظين ومسئولين كبار، وعلى ضوء إطلاق الموجة 13 من عملية استرداد أراضى الدولة كأكبر عملية فى تاريخ مصر الحديث لاسترداد ثروتها المنهوبة، وهى عملية أزعجت الكثيرين ولا يُستبعد أن يكون لها صلة باستهداف المشروع الوطنى للدولة الذى يبقى مشروعاً للأمل والخلاص يجب الدفاع عنه سواء اتفقنا أو اختلفنا على بعض جوانبه.
لست أعنى بذلك أننا أصبحنا الدولة النموذج فى النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد، لكننا بالأرقام والوقائع نتحّول ونمضى على الطريق الصحيح. كل خبراء الإدارة والحوكمة والقانون والاقتصاد يدركون أنه لا توجد على ظهر الأرض دولة بلا فساد مالى تنتجه البيروقراطية الإدارية أو المجتمع نفسه. مسئولية الدولة تتحدّد بخلق وتشجيع وإطلاق يد المؤسسات القوية القادرة على مراقبة الفساد وكشفه وملاحقته، وأظن أن هذا ما يحدث فى مصر اليوم.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم رابط دائم: