رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الشبكات السلبية.. الركض دون قطع مسافة

طرح علماء الاجتماع، فى العقود الثلاثة الماضية، مفهوم رأس المال الاجتماعى لتأكيد أهمية الجوانب الاجتماعية والثقافية فى عمليات التنمية. فالمجتمعات لا تتطور من خلال النمو الاقتصادى فحسب، ولكنها تتطور بما يملكه سكانها من قدرة على المشاركة والالتحام عبر شبكات علاقات إيجابية تحكمها قيم الثقة والاحترام والتسامح والجمعية والمواطنة والانخراط المدنى. ويقوم هذا الفكر التنموى على فرضية مهمة مفادها أن التنمية لا يصنعها طرف لطرف آخر، وإنما يصنعها المواطنون أنفسهم بما يملكونه من دافعية، ومن قدرة على العمل والعطاء واستثمار كل العلاقات الإيجابية والقيم الإيجابية فى بناء الأمة. ولقد أطلق على هذا الفكر التنموى نظرية رأس المال الاجتماعى. ولقد استقبلنا هذا المفهوم فى مصر بشكل جيد، لا على المستوى الأكاديمى فقط، بل المستوى الواقعى، حيث أصبح الخطاب التنموى مفعمًا بالحديث عن بناء الإنسان، وبناء الثقافة المدنية، وبناء الخطاب العقلانى، وبناء الثقة. ولكن يظل الأمر بحاجة إلى مزيد من التأمل والتفكير، خاصة أن التغير فى اتجاه بناء الثقة والمشاركة المدنية والسياسية لا يسير على وتيرة سريعة؛ كما أن مظاهر التباعد الاجتماعى والتخندق خلف الدين والإقليم والعائلة وكل مظاهر الانتماء الضيقة تتفوق على الشعور بالمواطنة وممارسة متطلباتها. وأحسب أننا بحاجة ـ إزاء هذا الظرف ـ أن ننظر ملياً فيما أطلق عليه التشبيك السلبى، وهو مفهوم يخالف مفهوم رأس المال الاجتماعى الذى ينتج قيماً إيجابية. فإذا كان التشبيك الإيجابى هو تكثيف للعلاقات الإيجابية التى تنتج رأسمال اجتماعياً إيجابياً، فإن التشبيك السلبى هو تكثيف للعلاقات السلبية لإنتاج رأسمال سلبى وقيم سلبية. ونستطيع أن ندرك وجود كثير من صور التشبيك السلبى فى حياتنا اليومية، والتى تظهر من خلال إنفاق وقت وجهد، وربما مال، فى تفاعلات تفتح أبوابًا كثيرة للهجر والنفور. وتظهر هذه التفاعلات عندما نسعى إلى تشليل الزملاء والأصدقاء فى تجمعات استزلامية غير اندماجية، أو عندما نعبئ تحيز الآخرين ضد بعضهم البعض، أو عندما نسعى إلى خلق تشبيكات وتجمعات تلتف حول الدين أو العائلة أو الإقليم، أو عندما ندخل فى ترتيب خطط واتفاقات بهدف التربح أو استغلال السلطان، أو عندما نوجه نقدنا اللاذع غير الموضوعى لإنجازات الآخرين ونجاحاتهم، وننفر من الاعتراف بها، أو نرفضها ولا نلتفت إليها، أو عندما ننفق جزءاً كبيراً من الوقت فى مكالمات هاتفية نستعيد فيها سيناريوهات تفاعلاتنا فى العمل وتأكيد توجهاتنا وتحالفاتنا وامتعاضنا، أو عندما نستخدم وسائل التواصل الاجتماعى فى تأكيد الجفوة والابتعاد أو النقد السلبى، أو عندما نتوجه إلى شخصنة الأمور فنفقد العلاقة بين ما هو خاص وما هو عام.

وقد تبدو كل هذه التفاعلات لنا على أنها أمور شخصية، بل إننا كثيراً ما نسر بها وننفق فيها وقتاً وجهداً كبيراً, بحيث تتحول لدى البعض إلى أسلوب حياة، فلا ينام إلا بعد أن ينفق جزءاً كبيراً من وقته فيما أطلق عليه مكالمات المساء التى يعاد فيها استعراض ما حدث أثناء اليوم فى العمل، حيث يقدم كل شخص تصوراته وأحلامه وتقييماته للزملاء وللأحداث، مبرزا فيها ميوله البطولية وذكريات أعماله المجيدة فى الماضى التى كانت أعظم شأناً وأكثر عطاءً. وينتهى المساء، ونصحوا على زاد جديد من هذه التفاعلات التى تؤسس لشبكات سلبية، ولرأسمال سلبى، يأخذ منا ولا يعطينا، ويهدر طاقتنا ولا يضيف لها شيئاً جديداً. إن هذا النوع من التفاعل يعطى لأصحابه متعة ويمنحهم أحاسيس زائفة بالتفوق والبطولة والزهو، والقدرة على الهزيمة الافتراضية للآخرين (أولئك الأعداء المتربصين)، والقدرة أيضاً على الانتصار الافتراضى للأقارب أو أعضاء زمرة التشبيك السلبى، أو حتى للرؤساء وذوى السلطة ممن نضع أنفسنا تحت لوائهم. ويبدو الأمر فى كل الأحوال وكأن هذا السلوك هو آلية تعويضية لأشياء نفتقدها فى الحياة، أو كأنه وهم نقنع به أنفسنا بأننا الأفضل والأصلح والأكثر جدة (فكثيراً ما ننسى أننا نفعل شيئاً وأن التاريخ يكتب شيئاً آخر).

وبالبحث فى البنية العميقة لهذه التفاعلات نجد أنها تكشف عن استراتيجيات سلوكية قد يعى بها البعض أحياناً، ولكن جلها هو استراتيجيات دفينة فيما هو معطى من لغة وممارسات. ويمكن الإشارة هنا إلى إستراتيجيتين اثنتين: الأولى هى إستراتيجية تعبئة التحيز، وهى تهدف إلى استخدام كل الأساليب اللغوية والجسدية والاقناعية من أجل توجيه التحيز نحو أشخاص بأعينهم ونحو قرارات بعينها أو أحداث بعينها. والثانية: الإفراط فى التأويل المعاكس. وأقصد بالتأويل المعاكس فى هذا السياق تأويل الأحداث والكلام والسلوك على غير مراميه الحقيقية، بإهمال كل ما هو إيجابى، وإبراز كل ما هو سلبى، وإضافة تأويلات تجعل الأمر يخرج عن مقاصده، فيأخذ الكلام معنى غير معناه، ويضفى على الأحداث تقييماً ذاتياً لا مكان للموضوعية فيه. ولا يخفى علينا فى استعراض هذه الصور من التشبيك ما تتركه من آثار سلبية على المجتمع؛ ذلك أنها تهدف أساساً إلى التهميش والاستبعاد، وتضع الآخرين فى موقف يشى بعلاقات عدائية لا مكان للثقة أو اليقين فيها. إنها تتحول إلى منبع للكراهية، الذى ينبذ فيها الناس بعضهم بعضاً فى مواقف، وتقاطعات مختلفة. تتقهقر الثقة هنا يصبح الشك، بما يرتبط به، تأويلا معاكسا، سمتاً وصبغة. وهنا يفقد الفعل التواصلى مساره، بل أن يختفى من الوجود ويحل محله فعل لا تواصلى، فعل القطيعة والجفوة والتباعد النفسى والاجتماعى. وإذا كان مجتمعنا يعانى أزمة ثقة حقيقية، تكشف عنها البحوث المختلفة، فإن جذورها تكمن فى هذه الصور من التشبيك السلبى التى تضرب الحياة اليومية بطولها وعرضها. ولا يخفى علينا أيضاً ما يؤشر عليه مثل هذا السلوك من هدر للجهد والطاقة، وإضاعة الوقت فى أمور لا تأتى بخير؛ فالبشر الفاعلون هنا يستزيدون بما لا يزيد، ويركضون دون قطع مسافة.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: