رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عما يجرى فى الإسكندرية اليوم

بوسع من يعيش فى الإسكندرية أن يرى فيها هذه الأيام ورشة عمل كبيرة ترتج آلاتها وتنتشر رافعاتها الشاهقة ذات اللون الأصفر المميز فى مشهد حماسى يبعث على الفرح. وللإسكندرية حكاية طويلة مع التنمية والتطوير والبحث عن حلول لمشكلات مدينة تأسست مرافقها لتستوعب مليون شخص، لكنها اليوم تنوء بنحو خمسة ملايين. لطالما حاول محافظو الإسكندرية السابقون أن يضعوا حداً لمشكلاتها المزمنة، ولطالما أرقتهم نوّات شتائها، ودفع بعضهم منصبه ثمناً لإخفاقه فى مواجهتها برغم أن مواعيدها معروفة سلفاً. لكن مازال السكندريون يذكرون بالخير والإعجاب اللواء المحجوب أبرز محافظ للثغر فى تاريخها الحديث.

اليوم تنفض الإسكندرية عن نفسها غبار السنين، فيشق البناة داخلها طرقاً جديدة واسعة تشبه المحاور الدائرية على أنقاض ترعة المحمودية التى كانت تمثل مشكلة، وفى أماكن أخرى. لم تعد حركة البناء والتطوير تقتصر على كورنيش البحر فقط ،كأننا نختزل الإسكندرية فى الكورنيش، بل امتدت إلى المناطق الداخلية البعيدة والأحياء العشوائية التى كانت فيما مضى نسيّاً منسيّاً. وتنتصب الكبارى الجديدة وتتشابك كشرايين تسمح للإسكندرية بالتنفس وسيولة الحركة فى اتجاه الغرب إيذاناً بخريطة سكانية وتنموية جديدة. ثم تعلو فى منطقة بشاير الخير بالقرب من الدخيلة بنايات متراصة ضخمة تمثل مدينة صغيرة جديدة لتكون بديلاً عن العشوائيات. وتُفتح ملفات أرض مريوط وبحيرة مريوط التى ظلت زمنا طويلا مطويّة (ومخفيّة)فى أضابير البيروقراطية المصرية. وغير ذلك الكثير والمثير للتفاؤل مما يحدث فى الإسكندرية التى جاء اختيار محافظها الحالى د. عبدالعزيز قنصوة الأستاذ بكلية الهندسة من خلفية علمية متخصصة كانت تحتاجها الإسكندرية بشدة، ولهذا يتفاعل جيداً بحسه الهندسى مع مشكلات الإسكندرية.

لكن الانطلاقة العمرانية والتنموية التى تشهدها الإسكندرية لا تمنع من تساؤلات. فنحن نحاول معالجة ترهل المدينة بأدوات التجميل مع أنها تحتاج أحياناً لما يشبه عمليات نقل الأعضاء. فما زال ينقص الاسكندرية البحث عن بديل جديد للمكان الحالى لجامعتها الكبيرة وخصوصاً الجزء الأكثر اختناقاً منها (المجمع النظري) والذى يضم نحو مائة ألف طالب فى مساحة نصف كيلو متر مربع (عدد الطلاب يزيد على عدد سكان بعض الجزر ذات العضوية فى الأمم المتحدة)! طُرح منذ سنوات فكرة إنشاء مقر كبير وعصرى للجامعة فى منطقة برج العرب، ولا أحد يعرف أين نحن اليوم من هذه الفكرة.هناك أيضاً سلبيات ومظاهر قبح لا تستحقها الإسكندرية التى كانت يوماً مدينة كوزموبوليت عالمية الطابع حيث احتضنت ديانات وأعراقا وجنسيات وثقافات شتى، فأضفى هذا التنوع الإنسانى عليها روحاً، خاصة وحالة حضارية يعرفها السكندريون القدامى بالتأكيد، بل لعلها فاقت يوماً مابعض المدن الأوروبية فى جنوب المتوسط. حاضر المدينة اليوم لا يخلو من ظواهر لا تليق بها.

فى الإسكندرية مثلاً ظاهرة لا وجود لها فى العالم كله، وهى انتشار لوحات إعلانية لأطباء بحجم خارق يصل طول بعضها إلى عشرين متراً. والغريب أن هذه اللوحات الإعلانية العملاقة التى لا تخلو من فجاجة تحمل صوراً حقيقية لأصحابها الأطباء فى أوضاع تبدو استعراضية وكأننا بصدد ملصق إعلانى لسلعة أو مطرب جديد. لمهنة الطب وقارها وللإعلان عنها أصول وتقاليد فلا يمكننا أن نروّج لها ونعلن عن أصحابها كما يفعل أصحاب المهن والأنشطة الأخرى. فى مشهد آخر فريد من نوعه يطالع السائر فى الإسكندرية لوحة إعلانية كبيرة لأحد الأطباء فى منطقة اسبورتنج، المفارقة هذه المرة ليست فى حجم اللوحة الإعلانية ولكن لأن الإعلان كله مكتوب باللغة الإنجليزية ولا توجد به (كلمة واحدة) باللغة العربية، وهو أمر فج وغير مبرر، لأن الأصل أن الإعلان يخاطب المرضى المصريين فى دولة لغتها العربية.

لا أريد أن أصدق أن أحد أسباب انتشار هذه الظاهرة هو العائد المالى الكبير الذى تحصل عليه المحليات كرسوم لترخيص إعلانات الأطباء التى أصبحت تشبه المعالم السياحية عند إشارات المرور وفى مفترق الطرق. من حق المحليات أن تبحث عن زيادة مواردها، لكن ليس على حساب الذوق العام. ولعلّ محافظ الإسكندرية وكل محافظى مصر يراجعون ظاهرة الإعلانات عن المكاتب المهنية والعيادات والمراكز الطبية وغيرها حتى نرى فى بلدنا ما نراه فى البلدان المتقدمة من توحيد شكل وحجم هذه اللوحات الإعلانية والمكان الذى توضع فيه عند مداخل البنايات، ليس فقط مراعاة للذوق العام ولكن أيضاً تفادياً لمخاطر تحطمها أو سقوطها وتهديد أرواح المارة وسلامتهم لا سيّما فى فصل الشتاء، وفى مدينة كالإسكندرية المعروفة برياحها ونواتها الشديدة كل عام.

والواقع أن حلم عودة الإسكندرية إلى ماضيها العريق لن يكون فقط بيد الحكومة والمحليات لكنه يتطلب أيضاً دوراً مجتمعياً من جانب أهلها. كان المرحوم د. عادل أبو زهرة ومعه مجموعة من رموز المجتمع الأهلى والنائب العام السابق المستشار محمد الجندى من الغيورين على الإسكندرية والمنشغلين بحماية البيئة فيها، وقد تصدوا كثيرا لبعض مظاهر الاعتداء على البيئة وحذروا من الاستيلاء على بحيرة مريوط لغرض تجفيفها وبيع أرضها. نجحوا تارةً وأخفقوا تارةً أخرى، لكن الحاصل أن دور الجمعيات الأهلية المعنية بحماية البيئة فى الإسكندرية قد أصبح خافتاً فى الفترة الأخيرة، ولولا همة السيد رئيس الجمهورية نفسه واتساع اهتماماته حتى وصلت إلى منطقة مريوط فى الإسكندرية لما سمعنا عما يحاك للبحيرة التاريخية التى لا نعرف قيمتها حتى اليوم.

التساؤل موصول عن دور السكندريين فى مواجهة قضية مدينتهم بل قضية مصر كلها، وهى القمامة التى أعيت كل من حاول القضاء عليها فعاد محبطاً غير قادر على الفهم. لماذا الفشل المتواصل فى القضاء على ظاهرة نجحت كثير من دول العالم بما فيها دول فقيرة فى القضاء عليها؟ هل صعبٌ علينا الاطلاع على التجارب الناجحة لمجتمعات بلا قمامة والاستفادة منها ومحاكاتها؟ منذ زمن طويل والحديث لا ينقطع عن مشروع جديد للقضاء على القمامة، وما زال الزمن يدور، ونحن معه ندور.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: