هناك العشرات من المبدعين فى شتى المجالات قدموا إنجازات مهمة، وبالرغم من ذلك غاب ضوء الشهرة عنهم، ولم يعرفهم المجتمع مثلما عرف آخرين لم يبدعوا مثلهم. هذه الحالة نجدها فى مجالات العلم والآدب والفنون والرياضة، وتمس فى جوهرها مفاهيم الانجاز، والعدالة الثقافية، وتقدير الإبداع، وتجعل على سطح المجتمع عناصر طافية ليس لها من العمق الذى تتمتع به الكوادر الفكرية الغاطسة. وبعض هؤلاء المبدعين المنسيين تعرضوا لتهميش، والبعض الآخر رحل عن عالمنا فى ظروف قاسية. قد يقول البعض إنها الحياة التى لا تعرف الحظوظ متساوية، لكن الظاهرة نفسها تحتاج إلى بحث.
هناك من ابتعد عنه الضوء نتيجة إزاحة أبناء جيله له، وخوفهم منه، وادعائهم عليه، والحروب بين أبناء نفس الجيل لا تنفى أن هناك حالة تحرش جيلى، حيث يميل بعض من ينتمى إلى الجيل الأكبر سنا إلى تهميش الأجيال الشابة بدعوى عدم نضجها، وقلة خبرتها، وضحالة رؤيتها. أتذكر أننى كنت يوما أتولى إدارة جلسة فى أحد المؤتمرات، وطلبت الكلمة سيدة حاصلة على الدكتوراه، وخبيرة فى مجال دراستها، ثم بعد دقائق ارسلت لى ورقة تفيد بعدم رغبتها فى الحديث. صرت فى حيرة، وفى النهاية اعطيتها الكلمة. وعقب الجلسة، استفسرت عن سبب ذلك فقالت لى أن استاذها كان يجلس فى القاعة، وعندما لاحظ طلبها للكلمة، ارسل لها طالبا منها عدم الحديث. حالة من الوصاية، قد لا تكون بهذه الفجاجة فى كل الحالات، ولكن لها صور وأشكال عديدة. والتهميش ليس سببه جيليا فقط، ولكن أيضا حسابات المصالح، مما يجعل من هم خارج الشلة فى الظل، بعيدا عن دائرة الضوء، وتتحول الشلة إلى مجال حركة، وأساس توظيف، وعامل شهرة، ورأس حربة فى مواجهة الآخرين. ويدخل فى ذلك عوامل أخرى مشابهة مثل القبلية والعصبية الريفية والاستقطاب الدينى الذى يخلق حالة من الفرز والمصالح، بحيث تصبح الطائفية والتعصب وغيرها مهنا يرتزق منها البعض فى المجال العام. بالإضافة إلى ما سبق هناك ثلاث قوى أساسية لا يمكن أغفال دورها فى تمكين أو تهميش الأفراد من المشهد هي: السلطة، ورأس المال، والعلاقات الخارجية. هناك من أشتهر بقربه من أجهزة الدولة فى كل العصور، وهناك من تمتع بمساحة حركة لارتباطه برجال أعمال، يغدقون عليه، لأنه يعبر عن وجهة نظرهم، أو يواجه خصومهم، أو يُظهرهم بصورة من يدعم الثقافة والعلم، وهناك من حصد شهرة وثقلا نتيجة علاقات خارجية، سواء بدوائر علمية أو اكاديمية أو سياسية، مما جعله محط اهتمام فى المجتمع، وبؤرة يتجمع حولها الساعون إلى فرص، وانتشر تبعا لذلك فى فترات سابقة ظاهرة «الوكلاء الثقافيين». كما أن هناك من يحصل على توكيلات شركات كبرى فى مجالات الصناعة والتجارة، هناك أيضا من المثقفين من لعبوا دور الوكلاء لثقافات أخرى، وسعوا إلى نشرها، والتبشير بها، واستقطاب المؤيدين لها. فى هذه الظاهرة متعددة الصور تكمن النكبة التى أصابت الثقافة المصرية، بين من سعى إلى إلقاء بردة تشدد وتطرف وتعصب عليها، ومن عمل على تغريبها بالمعنى السلبى وليس بهدف الاستنارة والآخذ بالتقدم، حتى جاء وقت أصبح فيه الحديث عن الثقافة المصرية الحقيقة خافتا. قس على ذلك ما حدث فى مجالات كثيرة، من الثقافة إلى الدراسات الأكاديمية.. الخ، فى ظل هذه الأجواء تعرض كثير ممن أرادوا الاحتفاظ بنقاء تصوراتهم بعيدا عن المصالح إلى تهميش، قد يكون مقصودا أو غير مقصود، بفعل أن الارتباط بمراكز تأثير داخليا أو خارجيا، يحمل بين طياته الضوء والمال والحضور، ويخلق شبكات المصالح المدافعة عنه.
هذه الأسباب وغيرها أدت إلى تهميش مبدعين فى مجالات عديدة لم يكن لديهم سند من سلطة أو مصالح أو شلة، وحرم المجتمع من مبدعين، وأعاق تطوره الفكرى، وشكل تحديا لمفهوم العدالة الثقافية، أو حق المبدعين فى الفرصة بعيدا عن ثقافة الأبواب المغلقة على أصحابها، أو تدوير الجوائز الثقافية بين نخبة ضيقة. ليست بالطبع المجتمعات المتقدمة مثالية، وقد نجد فيها حالات مشابهة، ربما أكثر ضراوة من ذلك، ولكن تظل هناك فرص متاحة، وأبواب مفتوحة، وقواعد موضوعية للاختيار، ومجالات للمبدعين يعبرون فيها عن أعمالهم وفق قاعدة الانجاز، الذى لا يعرف تقديسا لأشخاص، أو تقليلا من شأن الشباب، أو انحيازا لشلة أو عصبية أو مصالح، حيث يظل الانحياز الجاد والحقيقى للفكرة، وهو ما يشكل دائما قوة دافعة للإبداع، وعلينا أن نتذكر أن عددا من المبدعين المصريين عرف طريقه إلى العالمية فى سياق احترم الفكرة مثل مجدى يعقوب، وأحمد زويل، وإبراهيم شحاتة ورامى مالك، ومحمد صلاح، وغيرهم.
لمزيد من مقالات د.ســامـح فــوزى رابط دائم: