رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لمن الاتهام؟ ولمن الحماية؟

ما كنت لأكتب فى هذا الموضوع لولا أننى ما زلت أؤمن بالنهوض بمؤسساتنا، ومصارحة أنفسنا، ومراجعة أخطائنا، كقيم ومعان يجب أن نعض عليها بالنواجذ، وإلا فلتكن ثلاثون سنة أخرى من الضياع والتراجع. أفهم أننا لسنا فى المدينة الفاضلة لكننى لا أفهم كيف نكيد ونتربص بمن يملى عليه ضميره الوظيفى أن يرفض أوضاعاً خاطئة وكأننا نردع الناس عن الانشغال بالمصلحة العامة.

والحكاية باختصار أن هناك أستاذاً جامعياً شجاعاً وغيوراً يعمل وكيلاً بإحدى الكليات لم يفعل أكثر من أنه رفض وقائع وأوضاعاً لم يتحملها ضميره المهنى وغيرته على المصلحة العامة، بخلاف ما تمثله هذه الوقائع والأوضاع فى ذاتها من مخالفات قانونية. وفى كل مرة كان يتصدى فيها وكيل الكلية لهذه الوقائع يثبت صحة موقفه وأنه كان على حق. ففى مرة يتم اكتشاف وقائع تتعلق بنتائج امتحانات كلية يتعلم فيها الطلاب القانون والمساواة والعدل وتكافؤ الفرص. كان بوسعه أن يسكت ويتجاهل الأمر ويسير مع السائرين فيقال عنه إنه رجل واقعى ومتوازن وغير صدامى. انطلقت السهام وحملات التشويه الظالمة ضده ممن لم يريحهم موقفه الرافض لهذه الأوضاع، معتقدين أنه هو الذى نشر الغسيل غير النظيف ونسينا أن هذا الغسيل غير النظيف هو مشكلة أصحابه وحدهم. موعد التجديد لوكالة الأستاذ الرافض للحال المائل قريب وهذه فرصة للتخلص منه، فالدبابير لا ترحب بمن يقترب من أعشاشها. لكن النيابة العامة كان لها تصرف حر ومتجرد، بحكم كونها القوّامة والحارسة على الحق العام والمصلحة العامة والضمير العام، فتقرر اتهام البعض وتستدعيهم إلى التحقيق وتفرج عنهم مؤقتا بكفالة مالية كبيرة وتطلب من الجامعة إحالتهم لمجلس تأديب لتوقيع الجزاء الإدارى المناسب. أصبحت الجامعة فى موقف لا تُحسد عليه لأن أحد المتهمين هو المستشار القانونى لها برغم أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته.

ومرةً أخرى يكتشف هذا الأستاذ الغيور على المصلحة العامة أن هناك أوراق إجابة طلاب تم تصحيحها صورياً إلى درجة أن من قام بإعادة كتابة الأسئلة نفسها فى ورقة إجابته نجح وحصل على درجة مرتفعة! طالب مع بعض الأساتذة الغيورين على الكلية بإعادة تصحيح أوراق الإجابة تحقيقاً للعدالة والمساواة بين جميع الطلاب حتى فرضت الحقيقة الساطعة نفسها على الجميع وتم إعادة التصحيح. احتدم الجدل وانشغل الجميع بسؤال من أبلغ عن الواقعة ولم يتوقف أحد عند السؤال الصحيح، ماذا عن الواقعة نفسها؟ ثم فجأة تزداد دراما المشهد ويزداد انزعاج البعض فيبحثون عن وسيلة لكسر شوكة وكيل الكلية فيقررون إحالته إلى التحقيق لكن بماذا؟ يكتشفون (فجأة) أن الرجل كان قد تم انتدابه للعمل يوماً واحداً فى الأسبوع بإحدى الجامعات الخاصة، وهى بالمناسبة لا تبعد سوى عدة كيلومترات عن الجامعة الحكومية التى يعمل وكيلاً لها فيقومون بتحرّيف مفهوم الندب الإدارى بمقولة إن الندب الجزئى ليوم واحد يعنى جمعاً بين وظيفتين لمجرد أن الرجل كان عضواً فى لجنة أكاديمية. وفى غمار اللدد والكيد والتربص بالأستاذ الجامعى الذى تجرأ على الانشغال بالمصلحة العامة لم ينتبهوا لفكرة أن الندب الإدارى لا يمكن تحديد نطاقه إلا على ضوء طبيعة الجهة النادبة والعمل المندوب لأدائه. وبالتالى فإن ندب أستاذ جامعى (للعمل) لجهة أكاديمية يستوعب أى عمل يعتبر مرتبطاً ومتسقاً ومكملاً له مما يدخل فى مفهوم العمل الأكاديمى كعضوية لجنة أكاديمية مثلاً. الأغرب من كل ما سبق أن تتذكر الجامعة ذلك فجأة بعد عام وتسعة أشهر من صدور قرارها السابق بالموافقة على الندب! وهو ما يعنى أن قرار الإحالة إلى التحقيق مشوب بالتحامل والتعنت وسوء النية. فاليد التى وقعت بالأمس قرار الموافقة على الندب هى نفسها اليد التى توقع اليوم على قرار الإحالة للتحقيق بسبب هذا الندب تنكيلاً بهذا الأستاذ الغيور على نزاهة العملية التعليمية.

لا أكاد أصدق أن من يدافع عن حرمة القانون والشرف الأكاديمى واحترام مبادئ المساواة والعدل وتكافؤ الفرص يصبح هو المتهم الذى يُحال إلى التحقيق بحجة متهافتة ومصطنعة بينما الآخرون المتهمون بالفعل أمام النيابة العامة تتم إضفاء الحماية عليهم ومحاولة إخراجهم من مأزقهم وتجاهل إحالتهم إلى التحقيق. لا أكاد أصدق أن جامعة طه حسين، وحسن كيرة، وشمس الوكيل، ومفيد شهاب، وجلال العدوى، وعصام سالم، وهشام صادق، وسمير تناغو تتربص بأصحاب الضمير المهنى الغيورين على المصلحة العامة، فى الوقت الذى نحمى فيه بل ونكافئ من كان يتوجب مساءلتهم. لا أكاد أصدق أن من يمارس حقه ويؤدى واجبه الوظيفى بهذه الأمانة والشجاعة تحيله جامعته إلى التحقيق بدلاً من أن تؤازره وتحميه وتكافئه. لا أكاد أصدق أن الجامعة التى يحال فيها مستشار قانونى إلى النيابة العامة لا تجد مستشاراً قانونياً آخر واعياً ينبه المعنيين بأن القانون فى مصر يحمى المبلغين والشهود، وأن فى مصر اليوم شرعية حكم أخلاقية وشعبية تأسست على النزاهة، ومصارحة الذات، ومكافحة الفساد، واستنهاض مؤسسات شبه الدولة لكى تصبح مؤسسات دولة بحق، ولن يكون ذلك إلا بحماية من يدافعون عن المصلحة العامة وليس ردعهم.

ما أكتب عنه اليوم لا يخصنى شخصياً، وصاحب القضية أستاذ لم يطلب منى ولا يعرف أننى سأكتب فى هذا الموضوع، وما كنت لأكتب أبداً عن اتهام النيابة العامة لطرف إلا حينما رأيت الطرف الضحية المدافع عن المصلحة العامة يُحال إلى التحقيق. أتمزق أمام قضية عامة أرى كصاحب قلم وليس كأستاذ أن الصمت فيها موقف غير أخلاقى. أكتب حتى لا يتكرر هذا فى أى مكان آخر. أقول ذلك عن شعور بالحزن لأن من كان يُفترض فيهم أن ينشغلوا بمساءلة المخطئين انشغلوا بمضايقة و«مناكفة» من طالبوا بإصلاح الخطأ. أشعر بالمرارة لأن من كان يُفترض فيهم الحياد والتجرد لم يكونوا محايدين ولا متجردين، واستقوى بهم ولايزال من مات داخلهم الشعور بالمصلحة العامة حتى حدث ما حدث وكان ما كان.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم

رابط دائم: