رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

شباب يناجون الوطن بأرواحهم

أتاحت لى الظروف فى هذا الشهر أن ألتقى بعدد من الشباب المصرى المقيم فى ألمانيا، وأن أتحاور معهم وأعايش احتفالهم بعيد الأضحى. لقد كانت فرصة ثمينة للاختلاط بهؤلاء الشباب، والتعرف على طموحاتهم، ومراميهم، وثقافة عيشهم، وعلاقاتهم بوطنهم الأم. وسوف أكرس هذا المقال لأعرض نتاج خبرتى هذه وأتمنى عدم الجَوْر على حق هؤلاء الشباب بتجاوز أو مبالغة.

لقد تعلم هؤلاء الشباب فى الجامعات المصرية، الحكومية والخاصة على حد سواء، وهم يتخصصون فى تخصصات دقيقة، فى مجال الهندسة والطب والصيدلة وغيرها. ولقد بدأت بموضوع التعليم والتخصص لأنهما سوف يحلان لنا معضلة مهمة فى تفكيرنا حول هجرة الشباب. إن هذه الهجرة لا ترتبط قط بعلاقة هؤلاء بوطنهم؛ تلك العلاقة التى لاتزال قوية وحية فى أرواحهم، كما سأوضح بعد ذلك، إنما ترتبط بطموحهم فى إكمال معارفهم وتعليمهم الذى بدأوه فى وطنهم، وفى الاستفادة من هذا التعليم فى تقديم شيء مفيد، لا لمصر ولا لألمانيا، وإنما للبشرية. نعم، ثمة طموح لدى هؤلاء الشباب يصل إلى عنان السماء. وأتَطَرَّقَ إلى حديث أحدهم عندما سألته لماذا لا يعمل فى الجامعة المصرية بعد حصوله على درجة الدكتوراه فى الهندسة، لقد قال ما معناه لقد جربت التدريس فى الجامعة، ولم يحقق طموحى، بها ملل وتكرار، حتى البحث العلمى أريد أن أتجاوزه، أريد أن أعمل فى عمل يفيد العالم، يخرج شيئاً مفيداً للعالم، أسعد كثيراً عندما أشعر بأن كل جهاز موبايل يستخدم فى أى مكان فى العالم، ربما أكون قد ساهمت فيه بشيء. لاشك أن هذا الكلام يحمل معانى كثيرة، وهو يعبر عن حال هؤلاء الشباب، فكلهم يبحثون عما يحقق طموحهم فى مجال تخصصهم، وتأكيد ذاتهم، وإحساسهم بأنهم يفعلون شيئاً مختلفاً وجديداً. ثمة طاقة إبداعية وابتكارية هنا، هى التى تدفع إلى خوض غمار تجربة الغربة، حتى ولو مؤقتاً، طاقة تدفع إلى البحث عن سياق تنمو فيه هذه الطاقة وتتفجر. ويعبر أحد هؤلاء الشباب عن ذلك بما معناه نحن عندنا فى مصر بحوث جديدة، وباحثون ممتازون، ولكن مجرد بحث، هنا يوجد فرق عمل تبحث فى التطبيق، وكل مجموعة تسلم للأخرى حتى نجد فى النهاية منتجا، يباع فى السوق، والعمل فى واحدة من هذه الفرق متعة لأنه يشعر المرء بأنه دائماً يفكر ويبتكر. تذكرت وأنا استمع إلى هذا القول ومثله مقولة المتنبى (915م-965م) الذى يدفعنا فيها إلى أن يكون طموحنا كبيراً، فلا نقنع بما دون النجوم:

إذا غامَرْتَ فى شَرَفٍ مَرُومِ...

فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجوم

فطَعْمُ المَوْتِ فى أمْرٍ صغير...

كطَعْمِ المَوْتِ فى أمْرٍ عَظيمِ

وعندما نتعمق قليلاً فى تفاصيل حياة الشباب المهاجر، هنا فى شمال العالم، فلن يفوتنا ملاحظة أسلوب الحياة الذى اختاره هذا الشباب. يميل الكل هنا إلى أن يسلك السلوك الطبيعى فى بناء أسرة صغيرة نووية، زوج وزوجة ينجبان طفلا أو اثنين، يعيشان معا فى بيت صغير. حياة فيها قدر كبير من الاستقرار، وتحمل مشاق الغربة، والكفاح من أجل النجاح. يعرف الشباب جيدا طبيعة الخدمات التى تقدم هنا للكبار والصغار، وهم يحاولون جاهدين أن يستفيدوا منها، فى إطار حقوقهم القانونية، ولكن حرصهم الأول هو استقرار الأسرة. وغالباً ما تبنى هذه الأسرة على الطريقة المصرية؛ زواج من مصرية، وفرح فى مصر، ثم عودة إلى بلاد المهجر لبدء الحياة الأسرية. وإذ تبنى الأسرة على الطريقة المصرية، فإنها تعيش هنا على الطريقة الأوروبية، من حيث الالتزام الصارم بالقوانين، والانضباط فى السلوك، وتربية الأطفال على احترام الأكواد الأخلاقية للمجتمع فى كل تفاصيل الحياة؛ بدءاً من طريقة استخدام المواصلات العامة، وحتى استخدام ساحة لعب الأطفال، ومروراً بكل تفاصيل الحياة فى أثناء العمل والتسوق والترفيه وقيادة السيارات. ويتشكل أسلوب حياة الأسرة لدى هؤلاء على بساطة الحياة وعدم المبالغة فى تلبيس الجسد وتزيينه. كل شيء يشى بالبساطة، فى الملبس والمأكل والمشرب، فلا الاهتمام هنا بالبذخ الاستهلاكى، أو ارتداء البدل وربطات العنق، ولا المبالغة فى الحديث، أو الغيبة أو النميمة، أو أى شيء يقف أمام هذا الطموح الكبير الذى يكمن فى عقولهم ونفوسهم. ولا يملك المرء هنا إلا أن يتذكر مقولة أفلاطون (428 ق.م 347 ق.م) الشهيرة: لا تصير عين البصيرة حادة إلا إذ ضعفت عين الجسد, ومقولة النِّفَّرى (المتوفّى نحو354هـ) الشهيرة كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة.

وإذ أصل إلى قرب نهاية هذا المقال، فانه لا يفوتنى أن أنوه إلى علاقة هؤلاء الشباب ببلدهم. وأكاد أقول بشكل سريع انهم يعيشون فى بلاد المهجر بأجسادهم وعقولهم، ولكن أرواحهم هناك فى مصر. ثمة مظاهر عديدة تدلنا على صحة هذا الافتراض, فهم يحرصون حرصاً شديداً على أن يعلموا أولادهم العربية بجانب لغات أخرى، ويحرصون فى نفس الوقت على تعميق الاتصال بالبلد الأم, إما من خلال الزيارات التى يقوم بها أعضاء من الأسرة، أو من خلال الهواتف النقالة المفتوحة بشكل دائم (بالصوت والصورة) على أسر النشأة، وتبادل الرسائل والصور عبر وسائط التواصل الاجتماعى. ويضاف إلى ذلك الاحتفال بالأعياد على الطريقة المصرية (اذكر فى هذا السياق حفلات الشواء التى أقيمت يوم عيد الأضحي). وفى الجانب الثقافى فإن آذانهم لا تطرب إلا للأغانى المصرية، وعيونهم لا ترتاح إلا بمشاهدة المسلسلات والأفلام والمسرحيات المصرية. ويشعر المراقب الخارجى من أمثالى أن ثمة مبالغة فى هذا الجانب، خاصة أنه يرتبط ببعض الإهمال للفنون الأوروبية بأنواعها المختلفة، وللجوانب السياسية والتاريخية لبلد المهجر، ولكن فى هذا الشعور يتوارى، إذ يشعر المراقب أيضاً بأن الخسارة الناجمة عن فقدان هذه الجوانب الفنية والتاريخية والسياسية يتم تعويضها فى غرس الهوية الوطنية المصرية فى عقول الصغار من أطفالهم. ولقد ظهر هذا الغرس جلياً وواضحاً عندما أعطت لى طفلة صغيرة ذات خمسة أعوام ورقة وقالت أرسم لى مصر، فلما رسمت لها العلم المصرى وجدتها تغنى بصوت طفولى برىء: بلادى بلادى لك حبى وفؤادى. وهنا تكون وقفة الختام، فعند الوطن ترفع الأقلام.


لمزيد من مقالات د. أحمد زايد

رابط دائم: